- اعلان -
الرئيسية الرياضة برشلونة وعدم الاحترافية في الصفقات.. تاريخ من إثارة غضب الأندية

برشلونة وعدم الاحترافية في الصفقات.. تاريخ من إثارة غضب الأندية

0

لم تعد سوق الانتقالات مجرد مساحة لتبادل العقود وبناء التشكيلات، بل أصبحت رقعة شطرنج دبلوماسية معقدة، تتطلب قدرًا هائلًا من الذكاء الاستراتيجي وبناء الجسور بين القوى العظمى في القارة العجوز.

وفي هذا المشهد المعقد، يبدو أن نادي برشلونة الإسباني قد اختار طواعية أن يسلك مسارًا مغايرًا للأعراف والتقاليد الإدارية المستقرة؛ مسارًا جعل من برشلونة وعدم الاحترافية في الصفقات عنوانًا عريضًا لسياسة تعاقدية باتت تثير غضب الجميع.

هذا الأسلوب الهجومي، الذي يعتمد على استهداف اللاعبين والضغط عليهم بشكل مباشر قبل مراجعة أنديتهم، تحول تدريجيًا من مناورة تفاوضية إلى هوية مؤسسية، دفعت كبار أوروبا إلى التعامل مع الإدارة الكتالونية بحذر شديد.

تعيش العلاقات بين برشلونة وأتلتيكو مدريد فصلًا جديدًا من التوتر الشديد، مدفوعًا بمحاولات النادي الكتالوني لضم المهاجم الأرجنتيني جوليان ألفاريز بطرق أثارت حفيظة الإدارة.

ولم يكن هذا الغضب وليد اللحظة، بل هو امتداد لشرخ عميق بدأ قبل سنوات عندما طاردت إدارة برشلونة النجم الفرنسي أنطوان جريزمان لموسمين متتاليين خلف الكواليس، محرضة إياه على التمرد والانتظار حتى ينخفض شرطه الجزائي.

هذا السلوك دفع إدارة الروخيبلانكوس مؤخرًا إلى اتخاذ موقف حازم وعلني، حيث وجهت رسالة شديدة اللهجة لإدارة البلوجرانا، مطالبة إياها بالكف عن “تصرفات الهواة” وسداد قيمة الشرط الجزائي لألفاريز البالغة 500 مليون يورو كاملة ونقدًا، دون أي مجال لجدولة المبلغ أو التفاوض حوله.

الرد من جانب أتلتيكو مدريد لم يتوقف عند غرف الاجتماعات المغلقة، بل امتد إلى الفضاء الرقمي بأسلوب يحمل الكثير من التهكم والازدراء الدبلوماسي.

فقد سمحت إدارة العاصمة لصفحاتها الرسمية ومنصاتها الإعلامية بشن حملات ساخرة تهزأ من الوضع المالي لبرشلونة ومحاولاته اليائسة لضم النجوم؛ حيث قامت تلك المنصات بادعاء التعاقد مع مواهب برشلونة لامين يامال، وبيدري، ورافينيا.

وذلك في إشارة علنية صريحة إلى أن النادي الكتالوني لم يعد يمتلك الملاءة المالية ولا الاحترافية الإدارية التي تؤهله للتفاوض مع الكبار، محولًا الصراع من مجرد منافسة رياضية إلى حرب كبرياء معلنة.

توضح هذه الأزمة كيف تسببت خطيئة برشلونة وعدم الاحترافية في الصفقات في خسارة شريك تجاري ورياضي استراتيجي داخل إسبانيا؛ فالأندية الكبرى لم تعد تحتمل أسلوب الضغط الإعلامي والتحريض المباشر الذي يمارسه النادي الكتالوني لإجبارها على بيع نجومها بأسعار منخفضة.

إن تحول أتلتيكو مدريد إلى هذا الهجوم العلني الساخر يعكس حالة من السأم العام لدى إدارات الأندية من الوعود الكتالونية والأساليب الملتوية، وهو ما سيجعل أي عملية تفاوضية مستقبلية بين الطرفين بمثابة معركة قانونية معقدة، يدفع ثمنها برشلونة من سمعته وهيبته المؤسسية.

تظل نقطة التحول التاريخية في علاقات برشلونة القارية هي تلك اللحظة التي قرر فيها النادي كسر القواعد مع باريس سان جيرمان من أجل التعاقد مع لاعب الوسط الإيطالي ماركو فيراتي عام 2017.

حينها، استخدمت الإدارة الكتالونية ترسانتها الإعلامية المعتادة، وحرضت اللاعب على التمرد والامتناع عن الحضور في معسكر الفريق الباريسي، ظنًا منها أن النادي الفرنسي سيرضخ في النهاية للرغبة الكتالونية.

لكن هذه المغامرة غير المحسوبة ارتدت سريعًا وبقوة تدميرية هائلة على الكامب نو؛ إذ لم يكتف الباريسيون بالحفاظ على لاعبهم، بل ردوا الصاع صاعين عبر تفعيل الشرط الجزائي التاريخي للنجم البرازيلي نيمار دا سيلفا بقيمة 222 مليون يورو، في صفقة غيرت موازين القوى في الميركاتو العالمي إلى الأبد.

ولم يكن رحيل نيمار المشبوه، والمليء بالسمسرة والعمولات الخفية من تحت الطاولة، سوى البداية لرحلة انتقام باريسية طويلة الأمد لم ترحم برشلونة قط.

وباتت القاعدة في حديقة الأمراء واضحة: كلما أبدى برشلونة اهتمامًا بلاعب، تحركت الأموال القطرية لإحباط الصفقة ونقله إلى باريس، وهو ما حدث بدقة في صفقة النجم الهولندي جورجينيو فينالدوم الذي كان قاب قوسين أو أدنى من كتالونيا قبل أن يغير وجهته في اللحظات الأخيرة.

وتواصلت هذه السلسلة الانتقامية لتشمل خطف الجوهرة الشابة تشافي سيمونز، ثم الفرنسي عثمان ديمبيلي، وصولًا إلى اللحظة الأكثر مرارة في تاريخ الكتلان الحديث، وهي رحيل الأسطورة ليونيل ميسي إلى العاصمة الفرنسية مجانًا بعد عجز برشلونة عن تجديد عقده.

إن هذه الحرب الباردة، والمستمرة لسنوات، تقدم دليلًا دامغًا على أن عواقب برشلونة وعدم الاحترافية في الصفقات تتجاوز بكثير خسارة لاعب أو صفقة عابرة.

تصفح أيضًا: ليس ديشامب.. بيريز يختار بطل كأس العالم لتدريب ريال مدريد

لقد صنع برشلونة لنفسه خصمًا شرسًا يمتلك قدرات مالية غير محدودة، ومستعدًا لإنفاق مئات الملايين لمجرد معاقبة النادي الإسباني على أساليبه التفاوضية.

ولم تعد الإدارات المتعاقبة لبرشلونة قادرة على دخول أي سوق انتقالات يتواجد فيه باريس سان جيرمان دون الخوف من ضربة غادرة جديدة، مما يؤكد أن الإدارة الكتالونية دفعت، ولا تزال تدفع، ثمنًا باهظًا لغطرسة تفاوضية افتقرت إلى بعد النظر السياسي والرياضي.

لم تقتصر الأساليب الملتوية لبرشلونة على خصوم بأعينهم، بل امتدت لتشمل أندية عريقة كانت تربطها بها علاقات دبلوماسية ممتازة، مثل بروسيا دورتموند الألماني وليفربول الإنجليزي.

ففي صيف 2017، وعقب رحيل نيمار، اندفع برشلونة نحو عثمان ديمبيلي وفيليب كوتينيو بطريقة افتقرت لأدنى مستويات الاحترافية؛ حيث حرض ديمبيلي على الانقطاع التام عن تدريبات دورتموند والسفر إلى فرنسا دون إذن، بينما تم دفع كوتينيو لادعاء الإصابة والتمرد على يورجن كلوب.

غير أن ليفربول أظهر صلابة استثنائية، ورفض الرضوخ للضغط الكتالوني حتى شهر يناير، مجبرًا إدارة بارتوميو على دفع مبالغ فلكية تجاوزت كل الحدود المنطقية، ومحولا تلك الصفقات إلى عبء مالي ورياضي كارثي على النادي.

وكذلك تأتي صفقة الجناح البرازيلي مالكوم لتجسد ذروة اللامبالاة الأخلاقية في سوق الانتقالات.

فاللاعب كان قد أنهى اتفاقه بالكامل مع نادي روما الإيطالي، واجتمعت جماهير الذئاب في المطار بانتظار وصوله، ليقوم برشلونة بالتدخل في اللحظات الأخيرة من تحت الطاولة ويغير وجهة اللاعب دون أي مقدمات أو احترام للمواثيق الرياضية.

الصدمة الكبرى لم تكن في طريقة خطف اللاعب فحسب، بل في حقيقة أن برشلونة لم يكن بحاجة حقيقية لخدمات مالكوم، ولم يستفد منه رياضيًا بأي شكل، ليثبت النادي أنه اشترى عداوة مجانية مع إدارة روما وجماهيرها فقط من أجل استعراض القوة وإثبات الحضور.

إن القاسم المشترك في كل هذه القضايا هو غياب الاستراتيجية الرياضية الواضحة والاعتماد على الفوضى؛ حيث تسببت سياسة برشلونة وعدم الاحترافية في الصفقات في بناء جدار من عدم الثقة بينه وبين كبرى المدارس الكروية في أوروبا.

فالأندية لم تعد تنظر إلى برشلونة كشريك تجاري محترم، بل ككيان انتهازي يجب الحذر منه وتكبيله بالشروط المالية التعجيزية. ونتيجة لذلك، وجد النادي الكتالوني نفسه معزولًا في الساحة الأوروبية، عاجزًا عن إبرام صفقات مرنة، ومجبرًا على دفع “ضريبة سوء السمعة” في كل تحرك مستقبلي.

عندما قرر النجم البولندي روبرت ليفاندوفسكي إنهاء مسيرته الأسطورية مع بايرن ميونخ، كانت كل الظروف مهيأة لخروجه من الباب الكبير كمشهد تكرر كثيرًا مع أساطير النادي البافاري الذين يطلبون الرحيل لخوض تجربة جديدة؛ إذ جرت العادة في أليانز أرينا أن يتم تسهيل خروج هؤلاء النجوم مجانًا أو بمبالغ رمزية تقديرًا لعطائهم وتاريخهم.

لكن دخول برشلونة على الخط قلب الأمور رأسًا على عقب؛ حيث اعتمد النادي الكتالوني ذات الاستراتيجية القائمة على شحن اللاعب إعلاميًا ودق إسفين بينه وبين إدارته، وإجباره على الخروج بتصريحات علنية هجومية ضد النادي الذي توج معه بالثلاثية التاريخية.

هذا الأسلوب غير الاحترافي أثار حفيظة الإدارة البافارية المعروفة بصرامتها الشديدة وأنفتها المؤسسية، فتحولت القضية من رغبة لاعب في الرحيل إلى معركة عناد لإعادة الهيبة للنادي الألماني.

وقرر بايرن ميونخ عدم تقديم أي تسهيلات لبرشلونة، ورفض كل العروض المرنة، مصممًا على انتزاع ما يقارب 50 مليون يورو فورًا من خزينة برشلونة المنهكة.

ولم يكن هذا التعنت البافاري مدفوعًا بالقيمة السوقية للاعب يبلغ من العمر 34 عامًا، بل كان عقابًا صريحًا لبرشلونة على طريقته الفوقية والملتوية في إدارة المفاوضات والتحريض العلني للاعبين.

تثبت قصة ليفاندوفسكي أن أسلوب برشلونة وعدم الاحترافية في الصفقات لم يعد مجرد مشكلة عابرة، بل هو وباء إداري يستنزف موارد النادي المالية ويحرمه من المزايا الدبلوماسية.

فبدلًا من كسب ود إدارة بايرن ميونخ وإتمام الصفقة بهدوء وبأقل التكاليف، تسببت الحركات الصبيانية للإدارة الكتالونية في دفع مبلغ ضخم كان يمكن استغلاله في سد ثغرات أخرى بالفريق.

إنها قصة تلخص بوضوح كيف تحول برشلونة من نادٍ يرتجف اللاعبون والأندية شوقًا للتفاوض معه، إلى كيان يتطلب التعامل معه تفعيل أقصى درجات الحزم والقسوة التعاقدية.

Exit mobile version