بطولة كأس العالم ليست مجرد مواجهات رياضية للبحث عن فائز باللقب الغالي، بل هي سجل ضخم مليء بالقصص والمواقف الممتعة التي لا تمحى من ذاكرة مشجعي كرة القدم؛ فبين لحظات الفرح العارم ودموع الخسارة، تظهر مواقف غير متوقعة تغير مسار المباريات والبطولات تمامًا.
ومن أكثر اللقطات التي تثير الجدل وتظل عالقة في الأذهان، هي البطاقات الحمراء وحالات الطرد التي يتعرض لها كبار نجوم اللعبة.
وهذه الأحداث لم تكن مجرد قرارات عادية من الحكام، بل تحولت إلى دراما كروية حقيقية يتذكرها الجميع، ويتم إعادة فتح ملفاتها مع اقتراب كل نسخة جديدة.
ومع انتظار الجماهير بشغف كبير لانطلاق نسخة كأس العالم 2026، والتي من المقرر أن تبدأ في 11 يونيو المقبل وتستمر حتى 19 يوليو في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، نعود بالذاكرة لنستعرض معًا أشهر البطاقات الحمراء والقصص المثيرة التي صاحبتها في تاريخ المونديال.
استضافت ألمانيا نسخة عام 2006 من كأس العالم، وشهدت هذه البطولة تتويج المنتخب الإيطالي باللقب بعد فوزه على فرنسا في المباراة النهائية بركلات الترجيح.
لكن اللقطة الأبرز التي خطفت الأضواء كانت طرد النجم الفرنسي زين الدين زيدان في ليلة وداعه للملاعب.
قاد زيدان منتخب بلاده إلى النهائي بعد أن قدم مستويات مذهلة رغم أنه كان يبلغ من العمر 35 عامًا.
وسجل زيزو ثلاثة أهداف مؤثرة أمام إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، كما صنع هدف التأهل الثمين أمام البرازيل في ربع النهائي.
وكان زيدان يسعى لإنهاء مسيرته الرياضية بالتتويج باللقب العالمي للمرة الثانية في تاريخه، وكانت المواجهة ضد إيطاليا هي الأخيرة له في عالم كرة القدم.
وانتهت الأمور بشكل مأساوي بعد أن قام بنطح المدافع الإيطالي ماركو ماتيرازي، ليخرج مطرودًا بالبطاقة الحمراء ويودع الملاعب بأسوأ طريقة ممكنة وتخسر فرنسا اللقب.
من أجل إدارة مباراة كان يتوقع الجميع أن تكون عاصفة ومثيرة، عين الاتحاد الدولي لكرة القدم الحكم الدنماركي الخبير كيم ميلتون نيلسن لإدارة مواجهة إنجلترا والأرجنتين.
وحاول الأرجنتينيون استخدام بعض الأساليب النفسية قبل اللقاء بطلب اللعب بالزي الاحتياطي ذي اللون الأزرق الداكن رغم أنهم الفريق المضيف اسميًا، ظنًا منهم أن هذا القميص يجلب الحظ أمام الإنجليز.
بدأت المباراة بإثارة مبكرة، فبعد مرور خمس دقائق فقط تقدم منتخب الأرجنتين بهدف من ركلة جزاء سددها الهداف جابرييل باتيستوتا، بعد أن تعرض دييجو سيميوني للعرقلة من الحارس ديفيد سيمان.
ورد المنتخب الإنجليزي سريعًا بركلة جزاء أخرى بعد عرقلة مايكل أوين من المدافع روبرتو أيالا، ليسجل آلان شيرر هدف التعادل.
واصل أوين تألقه وسجل هدفًا رائعًا في الدقيقة 16 بعدما تجاوز المدافعين بمهارة عالية، محرزًا واحدًا من أشهر الأهداف في تاريخ منتخب إنجلترا.
ولكن الإنجليز لم يحافظوا على التقدم، حيث نجح خافيير زانيتي في تعديل النتيجة للأرجنتين من ركلة حرة ذكية قبل نهاية الشوط الأول.
مع بداية الشوط الثاني، انتهت رحلة ديفيد بيكهام في المباراة بعد ستين ثانية فقط؛ فخلال صراع على كرة عالية، سقط بيكهام على الأرض بعدما تلقى ضربة بالمرفق في ظهره من سيميوني، والذي تعمد البقاء فوق جناح مانشستر يونايتد لثانية إضافية، ورد بيكهام، الذي كان يبلغ من العمر حينها 23 عامًا، بركل سيميوني بكعبه وهو مستلقٍ على الأرض.
تصفح أيضًا: سر ترحيب جماهير أوفييدو الشديد بلاعبي ريال مدريد
حدثت هذه اللقطة أمام أعين الحكم الدنماركي مباشرة. حصل سيميوني على بطاقة صفراء، وتوقع بيكهام أن ينال العقوبة نفسها، لكن الحكم أشهر في وجهه البطاقة الحمراء مباشرة.
واضطر المنتخب الإنجليزي لإكمال اللقاء بعشرة لاعبين، وخسر في النهاية بركلات الترجيح ليودع البطولة بعد مباراة درامية سقط فيها بيكهام في فخ الأساليب النفسية لسيميوني.
تعد مواجهة أوروجواي وغانا في ربع نهائي مونديال جنوب إفريقيا 2010 واحدة من أكثر المباريات دراماتيكية في تاريخ كأس العالم، وحرمت غانا من أن تصبح أول منتخب إفريقي يصل إلى الدور نصف النهائي.
كانت المباراة تشير إلى التعادل بهدف لمثله، حيث سجل سولي مونتاري لغانا ودييجو فورلان لأوروجواي.
وفي الثواني الأخيرة من الوقت الإضافي، كانت غانا قريبة من تسجيل هدف الفوز القاتل، لكن المهاجم لويس سواريز أبعد الكرة من على خط المرمى بيده بشكل متعمد.
تلقى سواريز بطاقة حمراء مباشرة واحتسب الحكم ركلة جزاء لمنتخب غانا قبل دقيقتين من النهاية، وتقدم النجم أسامواه جيان للتسديد، لكن كرته ارتدت من العارضة، ليركض سواريز الذي كان يغادر الملعب محتفلًا بجنون بنجاح خطته.
اتجه الفريقان إلى ركلات الترجيح التي ابتسمت لمنتخب أوروجواي بنتيجة 4-2، وجاء الحسم بركلة “بانينكا” الشهيرة من اللاعب سيباستيان أبريو، لتصل أوروجواي إلى المربع الذهبي للمرة الأولى منذ عام 1970 وتترك غانا في صدمة تاريخية.
تعرض الأسطورة دييجو أرماندو مارادونا للطرد خلال مباراة منتخب بلاده الأرجنتين ضد البرازيل في الدور الثاني من كأس العالم 1982، بعد تدخل عنيف بالقدم على اللاعب البرازيلي باتيستا.
وكان المنتخب الأرجنتيني متأخرًا في النتيجة بنتيجة 0-3 أمام غريمه التقليدي في أمريكا الجنوبية، وهي النتيجة التي تعني توديع حامل اللقب للبطولة في أول مونديال يشارك فيه مارادونا.
وهذا الضغط الكبير جعل النجم الأرجنتيني يفقد أعصابه ويخرج عن شعوره في لقطة صعبة بقيت محفورة في مشواره الدولي، وانتهت المباراة وقتها بخسارة الأرجنتين بنتيجة 1-3.
شهدت مباراة إنجلترا والبرتغال في ربع نهائي كأس العالم 2006 واقعة مثيرة كان بطلها المهاجم الإنجليزي واين روني في الدقيقة 62 من عمر اللقاء، الذي كان يسير بشكل روتيني وهادئ دون خطورة كبيرة على المرميين.
بدأت اللقطة بتدخل مشترك بين ثنائي البرتغال بيتي وريكاردو كارفاليو ضد واين روني، حيث قام بيتي بدفع روني على الأرض.
وانتظر المهاجم الإنجليزي أن يحتسب له الحكم خطأ، لكن اللعب استمر بشكل طبيعي، مما أثار غضب روني بشكل كبير.
وفي مشهد وصفه روني لاحقًا بأنه أسوأ شعور يمكن للمرء أن يعيشه، قام النجم الإنجليزي بالاعتداء على كارفاليو من الخلف وأسقطه أرضًا.
ولأن كارفاليو نجح في إبعاد الكرة وهو على الأرض، قام روني بضربه بقدمه بشكل غير رياضي، مما جعل المدافع البرتغالي يصرخ من شدة الألم.
انتهت مسيرة روني في تلك البطولة عند هذا المشهد، لكن الإثارة لم تتوقف هنا، إذ رصدت الكاميرات كريستيانو رونالدو، زميل روني في مانشستر يونايتد آنذاك، وهو يتوجه مسرعًا نحو الحكم ويضغط عليه لإشهار البطاقة الحمراء في وجه روني.
حاول جاري نيفيل، زميل الثنائي في النادي الإنجليزي، التدخل وإبعاد رونالدو حتى لا تتوتر العلاقة بين اللاعبين مستقبلًا.
ورغم محاولات نيفيل، توجه حكم الساحة بهدوء نحو روني وأشهر في وجهه البطاقة الحمراء وسط ترقب الجميع في الملعب وخلف الشاشات.

