في دوري أبطال أوروبا، لا تُقاس قيمة المدافعين فقط بما يمنعونه، بل بما يصنعونه أيضًا، وفي ليلة الانتصار على مانشستر سيتي داخل ملعب الاتحاد، لم يكن ريال مدريد بحاجة فقط إلى الصمود، بل إلى لاعب قادر على فك الاختناق، إعادة تشكيل البناء من الخلف، وتحويل الضغط إلى فرصة؛ هنا تحديدًا، ظهر دين هويسين بصورة أقرب لما يمكن وصفه بـ”مدافع المنظومة المثالي”.
القصة لم تكن دائمًا بهذه السلاسة، هويسين عاش في بيئة دفاعية مضطربة: شراكات غير مستقرة، بين إصابات إيدير ميليتاو وأنطونيو روديجر، تراجع جاهزية دافيد ألابا، حلول مؤقتة مثل أوريلين تشواميني، وحتى أسماء شابة لم تملك الاستمرارية، هذا التذبذب حرمه من أهم عنصر لأي مدافع: الانسجام.
زاد الأمر تعقيدًا مع سلسلة من المشكلات الطبية داخل النادي، حيث تعرض أكثر من لاعب لسوء تقدير في التشخيص، ما أدى إلى مشاركة البعض – ومنهم هويسين – وهو غير مكتمل الجاهزية. كل ذلك جعل تقييمه في فترات سابقة يبدو غير عادل، لأنه ببساطة لم يكن يلعب في سياق مستقر.
لكن في المباريات الثلاث الأخيرة، ومع عودة قدر من الثبات في الخط الخلفي، تغيرت الصورة، أصبح هويسين جزءًا من منظومة واضحة، لا مجرد حل فردي مؤقت. والنتيجة؟ مدافع يُجيد الدفاع، ويُتقن البناء، ويقرأ اللحظة.
حصل هويسين على ثالث أعلى تقييم من جميع لاعبي ريال مدريد في المباراة، بتقييم 7.1 ولم يتفوق عليه سوى تشواميني 7.9 وفينيسيوس جونيور 8.0؛ ما قدّمه المدافع الشاب ضد مانشستر سيتي لم يكن مجرد أداء “نظيف” بالأرقام، بل كان حلًا تكتيكيًا لمعضلة معقدة: كيف تخرج من ضغط بيب جوارديولا دون أن تتحول إلى فريق رد فعل؟
السيتي لا يضغط فقط بعدد، بل بزوايا، يغلق خطوط التمرير الأمامية، ويجبر المدافع على اتخاذ قرارين كلاهما سيئ: تمريرة آمنة بلا تقدم، أو مخاطرة قد تتحول إلى فرصة هدف، هنا تحديدًا، جاءت قيمة هويسين.
بدلًا من لعب الكرات العرضية التقليدية بين قلبي الدفاع، كان يميل إلى كسر الخط الأول بالتمرير العمودي المباشر نحو لاعب بين الخطو، أو التحرك بالكرة خطوة إضافية لجذب الضغط، ثم تمريرها في اللحظة التي يُفتح فيها المسار.
هذا السلوك يفسر رقمًا مهمًا: 8 تمريرات إلى الثلث الأخير، ليست مجرد تمريرات تقدمية، بل لحظات نقل فيها ريال مدريد من حالة محاصرة إلى وضعية هجوم، في مباراة كان المفترض أن الريال يستقبل اللعب أكثر بكثير مما يمتلك الكرة لخلق تلك الخطورة والوصول إلى الثلث الأخير في عشرات المرات.
تصفح أيضًا: موعد مباراة ريال مدريد ضد ريال سوسيداد في الجولة 24 بالدوري الإسباني
الأهم من ذلك، أن دقة تمريراته التي بلغت 94% بإجمالي 85 تمريرة صحيحة من 90 تمريرة، لم تكن “دقة سلبية”، كثير من المدافعين يحققون نسبًا مرتفعة لأنهم يختارون الحل الأسهل؛ هويسين فعل العكس: رفع درجة المخاطرة دون أن يفقد الأمان (فقدان الكرة 5 مرات فقط من 101 لمسة)؛ وهنا تظهر نقطة فارقة: هو لم يكن يمرر لتفريغ الضغط، بل لتغييره.
حين ننظر إلى تقييم التأثير الذي نقدمه عبر 365Scores فبلغ (31.02)، يجب ألا نتعامل معه كرقم معزول، بل كنتيجة لتراكم قرارات صحيحة عبر المباراة.
النموذج لا يكافئ فقط التمريرات أو التدخلات، بل يقيّم: توقيت الفعل (هل جاء في لحظة ضغط؟) وجودته (هل كسر خطًا؟ هل منع فرصة؟) ونتيجته (هل غيّر حالة اللعب؟).
ومن هنا نفهم لماذا تفوق على كل مدافعي ريال مدري، واقترب من تأثير لاعبين مثل فيديريكو فالفيردي وأردا جولر؛ ولم يتجاوزه بوضوح سوى أوريلين تشواميني وفينيسيوس جونيور
السبب ببساطة: هويسين جمع بين قيمة نادرة — مدافع يرفع جودة الاستحواذ، دون أن يخصم من الصلابة الدفاعية.
الانتصار 2-1 في ملعب الاتحاد لم يكن مجرد عبور جديد لـ ريال مدريد، بل كان اختبارًا لنوع اللاعبين الذين يمكنهم العيش في هذه المباريات.
دين هويسين، في سياق مضطرب طوال الموسم، بدا أحيانًا كقطعة غير مكتملة، لكن في بيئة مستقرة – شريك واضح، منظومة مفهومة، أدوار محددة – تحوّل إلى شيء آخر تمامًا:
مدافع لا يتفاعل مع المباراة فقط، بل يعيد تشكيلها، وإذا استمر هذا النسق، فإن قيمته لن تُقاس بعدد التدخلات أو التشتيتات، بل بمدى قدرته على جعل أصعب مراحل اللعب – الخروج من الضغط – تبدو وكأنها أبسطها.
