في تلك المجالس، حيث كان يجتمع كبار الساسة المغضوب عليهم، ولد شغفي بالعمل العام، بهذه الكلمات التي بثتها قناة “رؤيا” قبل تسع سنوات ضمن برنامج “حلوة يا دنيا”، رسم الراحل الدكتور صالح إرشيدات ملامح رحلته بين الحواضر العربية الكبرى، ليكون هذا الاستذكار بمثابة تكريم لمسيرة رجل لم تمح الأيام بصمته.
بكثير من الوفاء، استعاد إرشيدات لحظات انتقاله من إربد إلى مدارس سوريا، مقرا بصعوبة التحديات التي واجهته في بداية الطريق؛ من غربة السكن إلى صعوبة بناء الصداقات.
وصف الراحل المجتمع السوري بآنذاك بأنه “جريء ومتقدم”، مؤكدا حبه العميق لثقافة الشعب السوري التي صقلت روحه في مرحلة الصبا.
وكانت دمشق في ذلك الوقت قبلة للمعارضين والسياسيين العرب، حيث كان إرشيدات الشاب يرافق والده في الملتقيات السياسية، يجلس بصمت ويستمع لنقاشات مصيرية زرعت فيه أولى بذور الوعي السياسي، محاولا اقتباس رزانة والده الذي شغل منصب أمين عام نقابة المحامين العرب.
انتقلت بوصلة الحديث في المقابلة إلى مصر “عهد جمال عبد الناصر”، حيث نقل والده مقر عمله إلى القاهرة.
قد يهمك أيضًا: اختتام برنامج تدريبي لزيادة مهارات الإعلام الرقمي لمسؤولي التربية في إقليم الوسط
وصف إرشيدات تلك الحقبة بالذهبية، إذ كانت العاصمة المصرية ملتقى لكل مكونات السياسة العالمية.
ولم تقتصر حياته هناك على الفكر فحسب، بل كان طالبا متمرسا في الرياضة، مندمجا مع الشباب المصري في أنشطة صفت ذهنه وقوت بدنه.
وأشار الراحل إلى أن جيلا كاملا من الأردنيين الذين درسوا في مصر، لا يزالون يحملون ذكريات سعيدة عن زمن كانت فيه القاهرة منارة للعلم والسياسة، معتبرا أن تلك التجربة كانت الركيزة الأساسية التي انطلق منها لتبوء المناصب في الدولة الأردنية.
تبقى تلك المقابلة شاهدا على عمق الراحل الدكتور صالح إرشيدات، الذي جمع بين عراقة إربد، وجرأة دمشق، وزخم القاهرة.
رحل رجل الدولة، لكن كلماته تبقى درسا للأجيال في كيفية تحويل التحديات إلى نجاحات، وكيفية بناء شخصية وطنية تعرف قيمة جذورها العربية.
