تشهد الدورة 79 من مهرجان «كان» هذا العام طرح عدة موضوعات ساخنة على بساط البحث، من بينها النقد الجاهز بأن المسابقة لا تتضمن توازناً بين أفلام المخرجين الذكور (17 فيلماً) وتلك التي أخرجتها نساء (5 أفلام). وجاء رد المدير الفني تييري فريمو بسيطاً، وإن متأخراً: «الأولوية للفيلم الجيد، لا لجنس مخرجه».
موضوع آخر يتمثل في العلاقة بين السينما والسياسة: هل هما متلازمان أم منفصلان؟ وإذا كانا متلازمين، فهل يمكن الفصل بينهما بحيث يستبعد المهرجان الخطاب السياسي؟ كيف يمكن ذلك، يرد آخرون، وعدد لا بأس به من الأفلام التي يعرضها المهرجان هذا العام، كما في أعوام سابقة، أفلام سياسية؟ وأين تذهب أفلام القضايا المحورية والأعمال التي تكشف ويلات الحروب؟
أما المحور الثالث، فهو غياب «هوليوود» عن «كان» بصورة ملحوظة. وليس هذا الغياب جديداً، لكنه بات يتكرر، مما فتح الباب أمام تأويلات وتحليلات متعددة شهدها المهرجان منذ انطلاقته وحتى اليوم.
شون بن في «ميستيك ريفر» لإيستوود (وورنر)
تجارب سابقة
اقرأ ايضا: جنون الشعر أو شعر الجنون
شهدت الدورات الـ78 الماضية من هذا المهرجان فوز الأفلام الأميركية بجائزة السعفة الذهبية 21 مرة فقط. وكان أولها فيلم «الويك إند الضائع» (The Lost Weekend) سنة 1945، الذي عُرض في دورة 1946، من إخراج بيلي وايلدر وبطولة راي ميلاند. وبعد عامين، فاز فيلم أميركي ثانٍ بـ«السعفة الذهبية» هو «مرمى نيران» (Crossfire) لإدوارد دميتريك، ثم في عام 1947 فاز فيلم الرسوم المتحركة «دمبو» (Dumbo) من إنتاج «ديزني» بالجائزة نفسها، تلاه فيلم ضعيف بعنوان «زيغفيلد فوليز» (Ziegfeld Follies)، شارك في إخراجه 3 مخرجين، وقام ببطولته ويليام باول، وجودي غارلاند، ولوسيل بول.
مرت أكثر من 10 سنوات قبل أن يمنح المهرجان جائزته، عام 1955، لفيلم أميركي آخر هو «مارتي» (Marty) لدلبرت مان، وهي دراما تُعد أفضل ما أنجزه المخرج في مسيرته. وفي عام 1957 نال «إقناع ودود» (Friendly Persuasion) لويليام وايلر، مع غاري كوبر في الدور الرئيسي، «السعفة الذهبية»، قبل أن يسود جفاف استمر حتى عام 1970.
وفي عام 2003، ترأس المخرج الفرنسي باتريس شيرو لجنة التحكيم التي منحت جائزتها الأولى لفيلم «فيل» (Elephant) من إخراج غاس فان سانت، متجاوزة أعمالاً أكثر نضجاً وأفضل مستوى، من بينها «ذلك اليوم» (Ce jour-là) لراوول رويز، و«مسبح» (Swimming Pool) لفرانسوا أوزون، و«مسافة» لنوري بيلغه جيلان.
لكن الخسارة الأفدح في ذلك العام كانت لفيلم «ميستيك ريفر» (Mystic River) لكلينت إيستوود.
لم يبالِ النقد الغربي كثيراً بالأفلام المذكورة، بما فيها «فيل»، بقدر ما احتفى بفيلم إيستوود الرائع، الذي تناول حكاية 3 أصدقاء يعيشون جروحاً داخلية لم يمحها الزمن. ولم يكن «ميستيك ريفر» مجرد قصة درامية متماسكة ومؤثرة، بل كان أحد أفضل الأفلام المعروضة في تلك السنة، وبالتأكيد أكثر إتقاناً من الفيلم الفائز.
وبعد نحو 10 سنوات، التقيت كلينت إيستوود في استوديو «وورنر» بـ«هوليوود»، وسألته عن شعوره حين لم يفز بالجائزة الأولى. ضحك وقال: «لم أشاهد الفيلم الذي فاز بالجائزة، لكنني قرأت وسمعت عنه لاحقاً. وتساءلت: كيف تحكم لجان التحكيم على أفلام دون أخرى؟ وما معاييرها إذا لم تكن جودة الفيلم، وهي الأهم في نظري، في مقدمة تلك المعايير؟».
