في تاريخ الكرة المصرية، هناك قرارات لا يتخذها إلا القادة الذين يمتلكون بصيرة تتجاوز حدود الزمن. لا ينسى أحد ذلك المساء من عام 2001، حين قرر الجنرال محمود الجوهري أن يلقي بصبي لم يكمل عامه الثامن عشر، ليدخل به أدغال إفريقيا.
شاب متمرد منذ الصغر، غادر وطنه ليبحث عن مجدٍ ذاتي في أوروبا، فكان أحمد حسام ميدو هو الرد الصاعق والرهان الذي كسبه الجنرال أمام الجميع.
وبعد 25 عامًا، في أروقة لاماسيا الهادئة بكتالونيا، تدور رحى تجربة أخرى، ولكن بظروف مختلفة، تتشابه في المخاطرة، ليبرز حمزة عبد الكريم كظاهرة استثنائية.
ومع اقتراب مونديال 2026، تبرز التساؤلات في الشارع الرياضي المصري: هل يمتلك حسام حسن جرأة مثله الأعلى، الراحل محمود الجوهري في الدفع بحمزة عبد الكريم، المراهق الذي يمتلك عقلية الكبار؟
في 2001، راهن “الجنرال” محمود الجوهري، على شاب لم يتجاوز الـ17 عاماً، كان قد غادر الزمالك في ظروف درامية ليبحث عن هويته في أوروبا.
كان ميدو حينها يمتلك الشخصية التي جعلته يدخل في غمار المنافسة، ويحجز مكانه كقائد لهجوم الفراعنة في سن الطفولة الكروية وسط قروش منطقة الجزاء، بمن فيهم حسام حسن نفسه، الذي رافقه في أول مباراة دولية.
ظهر ميدو لأول مرة في مواجهة الإمارات وديًا، قبل الاعتماد عليه من قبل الجوهري، ليشارك أساسيًا في تصفيات مونديال 2002 الحديدية.
في مارس 2001، اعتزل حسام حسن اللعب الدولي، بسبب بعض الانتقادات من وسائل إعلام محلية، وقبل أن يعود عن قراره، كان ميدو هو المهاجم الأساسي للفراعنة، لتأتي مباراة السنغال المصيرية في التصفيات، ويسجل هدف الفوز برأسية رائعة في استاد القاهرة.
تصفح أيضًا: مؤتمر بيب جوارديولا قبل مباراة مانشستر سيتي ضد جلطة سراي في دوري أبطال أوروبا
تبخر حلم التأهل للمونديال في الجولة قبل الأخيرة، لكن منح الجوهري منتخب مصر مهاجمًا فريدًا، لم يرتجف من صخب الجماهير في الجزائر أو داكار، وكذلك في الدار البيضاء. تأسس في مصانع أوروبا مع فريق جينت البلجيكي، قبل أن يرحل في صيف ذلك العام 2001، إلى أياكس، ويبدأ رحلته المثيرة مع أندية أخرى أبرزها روما وتوتنهام ومارسيليا.
اليوم، يسير حمزة عبد الكريم على نفس الدرب؛ خروج مبكر، ابتعاد عن ضغوط الأندية الجماهيرية في مصر والبيئة السلبية في مصر، وانخراط في نظام برشلونة الصارم.
الفارق هو أن حمزة تألق في مونديال الشباب، راقبه برشلونة، وكان النادي الكتالوني مهووسًا بضمه، من خلال مفاوضات طويلة مع الأهلي، ليقرر الأحمر ترك اللاعب بعقد يستفيد منه ماديًا.
تألق حمزة مع فرق الشباب خلال أقل من 4 أشهر، ورغم الإصابة لكنه يسجل أهدافًا رائعة بوضعيات مختلفة، ولكن النقطة المفصلية في رحلة عبد الكريم القصيرة حتى الآن، ليست في عدد أهدافه فحسب، بل في تلك القفزة البدنية الهائلة التي حققها في حوالي 120 يومًا.
فمنذ تولي هانز فليك زمام الأمور في الفريق الأول لبرشلونة، انتقلت عدوى “الصرامة الألمانية” إلى قطاعات الناشئين، وأدرك حمزة مبكراً أن المهاجم العصري يجب أن يكون قادرًا على الالتحام، والسرعة في التحول، والقوة في حماية الكرة.
هذا التحول البدني الذي يشرف عليه أخصائيون في برشلونة، هو تحديداً ما كان ينقص المهاجم المصري مؤخرًا، حمزة الآن يمتلك الجودة التي تجعله جاهزاً للتألق، والقوة من أجل الصدام مع مدافعي كأس العالم دون خوف من فوارق البنية الجسدية.
لا يخفى على أحد أن حسام حسن هو التلميذ النابغ لمدرسة الجوهري؛ فهو يؤمن بالروح الانتصارية والشخصية التي تساعد الفريق، وكل ما تعلمه هداف أمم إفريقيا 1998 تحت قيادة الجنرال، يريد تطبيقه تماشيًا مع الظروف الحالية.
وبالنظر لندرة المواهب في هجوم منتخب مصر، مما يؤدي لمشاركة عمر مرموش في مركز رأس الحربة، وتراجع مستوى مصطفى محمد الفترة الأخيرة، فإن العميد قد يقرر المخاطرة ويضم حمزة عبد الكريم.

