شهدت السنوات الأخيرة تطورا مذهلا في عالم الطب الرياضي، حيث لم تعد عمليات استشفاء لاعبي كرة القدم تقتصر على الراحة السلبية والتدليك التقليدي، بل دخلت منعطفا علميا متقدما.
وفي هذا السياق، يسعى نادي برشلونة الإسباني لتطبيق نظام طبي متكامل وشخصي، يجعل من الرياضي بطلا لصحته، من خلال استباق الإصابات وتحسين الأداء البدني إلى أقصى حد ممكن اعتمادا على أحدث الابتكارات الطبية.
وبدأ فريق البحث في مركز ابتكار برشلونة، بالتعاون مع مستشفى كلينيك، في دراسة علم التخلق لمجموعة تضم أربعة وسبعين لاعبا، بهدف تحديد البصمات البيولوجية التي تكشف عن مدى قابلية اللاعبين للتعرض للإصابات، حسب ما قالته صحيفة “سبورت” الإسبانية.
وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الإصابات القاسية التي ضربت صفوف النادي مؤخرا، مثل إصابة النجمين جافي ومارك بيرنال بتمزق في الرباط الصليبي، مما أبعدهما عن الملاعب لشهور طويلة وتطلب فترات تأهيل طبية معقدة.
وتوصلت الدراسات إلى وجود بصمة جينية مرتبطة بخطر الإصابة، وذلك عبر تحديد أكثر من ألف نمط من تعديلات الحمض النووي التي تتغير وفقا للعمر البيولوجي والضغط النفسي.
اقرأ ايضا: الأهلي يعلن إصابة ميندي
وتتيح هذه النتائج للنادي الكتالوني تعديل الأحمال البدنية وأنظمة التغذية وأسلوب حياة اللاعبين، حيث أثبت الخبراء وعلماء الأعصاب أن الإجهاد المستمر والضغط الذهني يؤثران بشكل مباشر على الجاهزية العضلية واستجابة الدماغ للتدريبات، مما يجعل الراحة النفسية والجسدية في بعض الأحيان أهم بكثير من التدريبات الشاقة.
ويعتمد برشلونة في خطته الجديدة على مفهوم الطب الدقيق وعلم الصيدلة الجيني، والذي يعني تخصيص العلاج والتدريب بناء على جينات كل لاعب وطبيعة جسده.
ويرتكز هذا النظام على أربعة محاور رئيسية، وهي التنبؤ بالإصابة قبل وقوعها، والوقاية لتحسين الصحة العامة، وتخصيص العلاج المناسب، ومشاركة اللاعب بفعالية في الحفاظ على جسده، مع الاعتماد على طرق تأهيل حديثة تدمج بين تقنيات متعددة مثل الموجات فوق الصوتية والتدليك لتسريع تعافي الأنسجة التالفة بشكل يراعي الاستجابة الفردية لكل رياضي.
ورغم هذه الطفرة العلمية الهائلة التي يتبناها برشلونة، تظل الإصابات الرياضية ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية وتنافسية عديدة يصعب التحكم بها بالكامل.
ولكن مع استمرار هذه الأبحاث وتأكيد نتائجها، فإن النادي الكتالوني يمهد الطريق لتغيير جذري وشامل في عالم كرة القدم، وتحويل الطب الرياضي من مجرد رد فعل لعلاج المصابين، إلى أداة استباقية تضمن بقاء النجوم في أعلى مستويات الأداء البدني والذهني طوال مواسم كروية مزدحمة بالمباريات، ليكون بذلك رائدا في دمج التكنولوجيا الحيوية بالرياضة.
