لم تلق دعوة الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم إلى إسقاط الحكومة رفضاً من خصوم الحزب السياسيين فحسب، بل بدت أيضاً غير منسجمة مع موقف حليفه الأساسي رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يشارك معه في الحكومة نفسها عبر وزراء محسوبين على «الثنائي الشيعي».
فبينما صعّد قاسم هجومه على المفاوضات التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل ودعا الشارع إلى إسقاط الحكومة، جاءت مواقف كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري أقرب إلى احتواء التصعيد، والتأكيد على أولوية الحفاظ على المؤسسات والاستقرار الداخلي.
وفي ظل غياب أي مؤشرات عملية إلى نية «حزب الله» الذهاب نحو خطوات تنفيذية كاستقالة وزرائه أو الدفع فعلياً نحو إسقاط الحكومة، بدا كلام قاسم أقرب إلى رفع السقف السياسي ومواصلة الضغط الإعلامي والشعبي في مواجهة مسار التفاوض القائم، أكثر منه إعلاناً عن توجه سياسي قابل للتنفيذ في الظروف اللبنانية الراهنة.
سيدة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله (إ.ب.أ)
وكان قاسم قد دعا الأحد مساء إلى «إسقاط الحكومة التي تنفذ المشروع الأميركي – الإسرائيلي»، معتبراً أن «من حق الناس أن تنزل إلى الشوارع وتسقط الحكومة وتسقط المشروع الأميركي – الإسرائيلي»، ومؤكداً أنه «لا توجد سيادة سياسية في لبنان، بل هو تابع للوصاية الأميركية».
كما جدد مهاجمة المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، قائلاً إن «المفاوضات المباشرة مرفوضة، وهي كسب خالص لإسرائيل»، داعياً السلطة اللبنانية إلى «ترك المفاوضات المباشرة وعدم إعطاء أميركا ما تطلبه».
ولم تر مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية في كلام قاسم إلا أنه «يأتي في سياق التصعيد والهجوم المستمر من (حزب الله) على المفاوضات، وهو أمر لم يلق صدى إيجابياً، ليس فقط في أوساط معارضي (حزب الله)، إنما أيضاً من قبل حلفائه».
وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان يريد (حزب الله) إسقاط الحكومة التي يشارك فيها، فليبدأ أولاً بسحب وزرائه منها، وهو ما لن يفعله في الوضع الراهن».
اقرأ ايضا: إيران تهدد باستهداف الشركات الأميركية في المنطقة
وفي الإطار نفسه، اعتبر عضو كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، النائب قاسم هاشم، أن دعوة قاسم إلى إسقاط الحكومة «هي رأي لا أكثر ولا أقل»، موضحاً أن «هذه الدعوة أتت في سياق ما كان يتحدث عنه عن ملف القرض الحسن، إلا أن الواقع لا يحتمل مثل هذه الإجراءات».
وأكد هاشم في حديث إذاعي «ضرورة العمل أكثر على وحدة الموقف الداخلي ومواجهة التحديات للحفاظ على التلاقي بين اللبنانيين، وهذا هو موقف الرئيس نبيه بري»، مستبعداً في الوقت نفسه أي احتمال لسحب «حزب الله» وزرائه من الحكومة، بالقول إن «الوضع لا يسمح بذلك»، ومشدداً على «وجوب الحفاظ على كل المؤسسات، لا سيما أنه جرى الحفاظ على الحكومة في أصعب الظروف».
وكان رئيس الجمهورية قد أصدر بياناً بمناسبة ذكرى التحرير بعد ساعات على هجوم قاسم على المفاوضات والدعوة إلى إسقاط الحكومة، أكد فيه أن «لبنان لن يقبل بهذا الواقع ولن يسوّي معه، وسيبقى الطريق إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل مطلباً وطنياً ثابتاً لا تنازل عنه». وأضاف أن الدولة اللبنانية تعمل على تحقيق ذلك «من خلال خيار التفاوض الذي لن يكون تنازلاً ولا استسلاماً، بل تأكيداً على حصرية حق لبنان في حماية أرضه وسيادته وبسط سلطته من خلال جيشه وقواه الأمنية الشرعية».
وشدد رئيس الجمهورية على أن «الجيش سيبقى الضامن الوحيد للأمن الوطني والسلامة الإقليمية»، معتبراً أن القرارات التي اتخذتها الدولة في هذا الاتجاه «تعبّر عن إرادة وطنية بالغة الأهمية لاستعادة السيادة الكاملة».
ولا تزال تلقى مواقف الرئيس عون وقرارات الحكومة دعماً واسعاً في لبنان. وفي الذكرى المئوية للدستور اللبناني، شدد حزب «الكتائب» على «الحاجة إلى تثبيت مرجعيته باعتباره العقد الوطني بين اللبنانيين والضمانة الأساسية لقيام الدولة، وصون الحريات، ووقف التعطيل والتمديد، وانتظام عمل المؤسسات».
ووضع «الكتائب» كلام قاسم عن إسقاط الحكومة في الشارع «في سياق الإصرار الإيراني على تقويض استقلالية القرار اللبناني، والأجدى به لدى اعتراضه على أداء الحكومة وقراراتها، سحب وزرائه منها بدل اللجوء إلى تأجيج الفتن».
وأكد «الكتائب» على ضرورة استكمال المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي المباشر، وتنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية بمعزل عن أي مفاوضات جارية في المنطقة، بما يهدف إلى وقف إطلاق النار، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق الأسرى، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وترسيم الحدود البرية. كما دعا «الكتائب» أصدقاء لبنان من الأشقاء العرب والدول الغربية إلى دعم الحكومة اللبنانية في هذا المسعى، ومساندة الجيش اللبناني لدعمه في تنفيذ قرارات الحكومة.
بدورها، اعتبرت النائبة عن كتلة حزب «القوات اللبنانية»، غادة أيوب، أن «كلام قاسم بشأن الدعوة إلى إسقاط الحكومة في غير محله، فـ(حزب الله) مشارك في الحكومة، وإذا كان لديه اعتراض عليها أو على المفاوضات التي تحصل في الولايات المتحدة، فكان يجب عليه أن يبادر بسحب وزرائه من الحكومة أولاً قبل استهدافها».
وأضافت في حديث إذاعي: «أعتقد أن كلام قاسم تهديد يكشف مخطط (حزب الله) الارتداد إلى الداخل في حال لم تكن نتائج المفاوضات لصالحه»، لافتة إلى وجود «تخبط في موقف الحزب».
