في وجود جوزيه مورينيو بالليجا، لم تكن كرة القدم الإسبانية مجرد لعبة تُركض فيها الأجساد خلف قطعة من الجلد؛ كانت حربًا أيديولوجية، صراعًا مريرًا على السلطة والنفوذ يُدار من داخل غرف المؤتمرات الصحفية، قبل أن ينتقل إلى عشب المستطيل الأخضر.
اليوم، والتاريخ يعيد إنتاج نفسه بأقنعة جديدة ووجوه مغايرة، يلوح في الأفق ذات السؤال المعلق فوق سماء الكلاسيكو: هل ينجح الإرهاب النفسي وضغوط العاصمة في إخراج وحشٍ نائم خلف هدوء الألماني الصارم هانز فليك، تماماً كما فُعل بالفيلسوف بيب جوارديولا من قبل؟
مورينيو على أعتاب العودة إلى ريال مدريد، وعندما يتعلق الأمر بجوزيه والنادي الملكي، لا بد أن نتذكر ما حدث خلال 3 سنوات شهدت أجمل وأكثر مباريات الكلاسيكو إثارةً تاريخيًا.
نعيد شريط الذكريات إلى تلك الحقبة الزمنية؛ كان بيب جوارديولا مدربًا غارقًا في رداء الرومانسية والمثالية الرياضية. تصاريحه كلها تدور في فلك واحد: “دعونا نلعب كرة القدم الخاصة بنا، دعونا ننفذ فلسفتنا، ولا شأن لنا بالحكام”، سواء كان برشلونة المتضرر أو المستفيد من التحكيم.
في المقابل، كان جوزيه مورينيو قد وصل إلى مدريد يحمل خنجرًا مسمومًا من الحرب النفسية. كان يدرك أن الفجوة الفنية مع “فريق الأحلام” لبرشلونة لا يمكن ردمها بالخطط التكتيكية وحدها، بل يجب ضرب الهيكل النفسي للمنافس، خاصةً أنه خسر أول كلاسيكو بخماسية نظيفة في كامب نو.
وعقب نهائي كأس ملك إسبانيا 2011، الذي شهد إلغاء هدف صحيح لـ بيدرو رودريجيز بداعي التسلل، التقط “السبيشال وان” الخيط ليطلق رصاصته الشهيرة التي قسمت عالم التدريب.
كان مورينيو يتعمد الضغط بكل قوة في كل مؤتمر صحفي، مروجًا لنظرية المؤامرة وأن “يويفا” والحكام يحبون جوارديولا ويحمونه. ومع كل مؤتمر، كان الضغط الإعلامي يشتد، والحصار يضيق حول عنق بيب.
وصلت الأمور إلى ذروتها في 26 أبريل 2011. قبل ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا في سانتياجو برنابيو، سارت حافلة برشلونة إلى مدريد وسط أجواء مشحونة، ودخل جوارديولا قاعة الصحافة وعيناه تشعان غضباً لم يره أحد فيه من قبل. لقد قرر الفيلسوف خلع عباءة الدبلوماسية إلى الأبد.
نظر بيب مباشرةً إلى عدسات الكاميرات، ووجه حديثه لمورينيو شخصيًا في مشهد درامي حبس أنفاس الصحفيين. ووفقاً لما وثقه تقرير صحيفة “Marca” الإسبانية عن تلك المواجهة، فقد قال بيب بنبرة حادة وساخرة:
“بما أن السيد مورينيو قد خاطبني باسم (بيب)، فسأخاطبه باسم (جوزيه). غدًا في الساعة التاسعة إلا ربع سنلتقي في الملعب. أما هنا، في هذه الغرفة (قاعة الصحافة)، فإنه يعرف في هذا المكان أكثر من أي شخص آخر، ولا أريد أن أتنافس معه للحظة واحدة”.
وأضاف بيب مستدعيًا ذكريات قديمة: “أريد فقط تذكيره بأننا عشنا معًا لأربع سنوات في برشلونة، هو يعرفني وأنا أعرفه. إذا كان يفضل تصديق صحفيي مدريد أكثر من صداقتنا السابقة، فهذا شأنه. خارج الملعب، جوزيه فاز بالحرب بالفعل.. لقد منحته كأسه الشخصي الليلة، فليأخذه معه إلى منزله ليستمتع به!”.
لم يكن هذا الانفجار مجرد استعراض إعلامي، بل كان هزة عنيفة ضربت معسكر الفريقين. في كتاب السيرة الذاتية الشهير للصحفي جويليم بالاجي “Pep Guardiola: Another Way of Winning”، ينقل لنا الكاتب كواليس ما حدث خلف الأبواب المغلقة فور انتهاء ذلك المؤتمر التاريخي.
قد يهمك أيضًا: مباشر مباراة الأهلي ضد القادسية اليوم في كأس السوبر السعودي
عندما عاد جوارديولا إلى فندق إقامة الفريق، كان لاعبو برشلونة متجمعين في قاعة الطعام، مشدوهين أمام شاشات التلفاز يتابعون مدربهم الهادئ وهو يمزق كبرياء مورينيو. بمجرد أن فتح بيب الباب ودخل القاعة، حدث أمر غير متوقع؛ وقف القائد كارليس بويول، وتلاه تشافي هيرنانديز، ثم ليونيل ميسي وبقية أفراد الكتيبة، وانفجرت القاعة بتصفيق حار وهتافات تحيةً لمدربهم.
لقد شعر اللاعبون أن مدربهم المحايد قد تحول أخيرًا إلى مقاتل شرس في الخنادق، مستعد للتضحية بصورته المثالية من أجل حماية كبرياء النادي وغرفة الملابس. كان الشحن الذهني في أقصى درجاته، وهو ما تُرجم في اليوم التالي مباشرةً بفوز برشلونة بثنائية ميسي الشهيرة في البرنابيو.
تلك الشخصية المغايرة التي أخرجها مورينيو من بيب، كانت بمثابة سحب من الرصيد النفسي لجوارديولا. في تقرير تحليلي آخر لـ”The Guardian” حول طبيعة الصراع بين الرجلين، تبيّن كيف أن مورينيو نجح في “استنزاف” بيب.
في أبريل 2012، وقف بيب ليعلن رحيله عن برشلونة بجملته المأساوية، بعد الخروج من الموسم بالفوز بكأس ملك إسبانيا فقط: “لقد أُفرغت تماماً وأحتاج إلى إعادة الشحن”.
وفي مقاله بصحيفة “The Guardian”، قال الصحفي سايد لو: “لقد انتصر بيب في الملعب، لكن الأجواء المسمومة التي فرضها مورينيو جعلته يفر بجلده في النهاية”.
الآن، وبعد مرور سنوات طويلة، يبدو أن التاريخ يحب تكرار قصصه المفضلة. هانز فليك يقود مشروعًا مرعبًا في كتالونيا؛ فريق شاب، هجوم كاسح، وتكتيك يعتمد على الشجاعة المفرطة. وفي المقابل، يقف فليك متمسكًا بهدوء رهيب، ممتنعاً عن الانزلاق إلى الحرب الكلامية، تمامًا كالأيام الأولى لبيب جوارديولا.
رغم أن الآلة الإعلامية في العاصمة، متمثلةً في المقاطع الموجهة والبيانات المستمرة من “قناة ريال مدريد” للضغط على الحكام، تحاول بشتى الطرق استفزازه، فإن فليك ظل لفترة طويلة يمارس برودًا ألمانيًا خالصًا.
في أكتوبر 2024، ووفقًا لما نقلته صحيفة “AS” في نص مؤتمره الصحفي، قال فليك باقتضاب: “لم أسمع عن فيديوهات قناة ريال مدريد، وليس من الصواب أن أفعل هذا، الحكام لديهم وظيفة صعبة للغاية، ووظيفتي هي إعداد اللاعبين لهذه المباراة”.
هناك مؤشرات تقول إن فليك سيكرر ما فعله جوارديولا، لأن لا أحد يمكن أن يقف صامتًا أمام الرجل الأول في المؤتمرات الصحفية “جوزيه مورينيو”، لأنه مع زيادة الضغط وتوالي الأسابيع، بدأت نبرة فليك تتغير بالفعل. اعتراضاته على التحكيم والرد على ما يحدث في مدريد بشكل غير مباشر، تُبشر بمواجهة ساخنة في المؤتمرات مع “السبيشال وان”.
يعلم جوزيه مورينيو أكثر من غيره أن تقليص الفجوة الفنية والتكتيكية مع برشلونة لا يحدث داخل الملعب فقط، بل يبدأ بضرب الاستقرار الذهني للمنافس، وتصدير التوتر لمعسكر الكتلان، وإجبار مدربهم على التفكير في الصراعات الجانبية أكثر من تكتيك المباراة.
إذا قرر جوزيه ممارسة هوايته المفضلة، ونقل الحرب من مقاطع الفيديو التلفزيونية إلى الطاولة المواجهة لفليك في المؤتمرات الصحفية، موجهًا طعنات مباشرةً لعمله أو للاعبيه، فلن يقف الألماني متفرجًا.
خلف ملامح فليك الهادئة وابتسامته الدبلوماسية، تقبع عقلية ألمانية صارمة من حديد، عقلية لا تقبل الانكسار أو الإهانة. الصدام القادم لن يكون مجرد كلاسيكو آخر؛ بل هو صراع نفسي وتكتيكي بامتياز.
