- اعلان -
الرئيسية الفن “صوت المدينة ووجدانها” .. الكونسرفتوار الوطني يودع أحمد قعبور

“صوت المدينة ووجدانها” .. الكونسرفتوار الوطني يودع أحمد قعبور

0

غيابٌ جديد يثقل ذاكرة الوطن، وصمتٌ يهبط على مدينة اعتادت أن تتكئ على صوته، برحيل الفنان اللبناني الكبير أحمد قعبور، يخسر لبنان واحداً من أنبل وجوهه الفنية وأكثرها صدقاً والتصاقاً بالناس.

انتهت رحلة طويلة من الإبداع والمقاومة الهادئة، ختمها بصبرٍ ثقيل على المرض، تاركاً خلفه فراغاً لا يُملأ في وجدان بيروت التي كانت صوته ونبضه ومرآته.

بكلمات يغمرها الحزن والوفاء، نعى المعهد الوطني العالي للموسيقى الفنان الراحل، باسم رئيسته ومجلس إدارته وأوركستراته وكوادره الإدارية والتعليمية. المعهد الذي احتضن قعبور في آخر ظهور فني له، يودع اليوم قامةً استثنائية شكّلت مدرسة قائمة بذاتها في العطاء الإنساني والفن الملتزم. إرثه، كما جاء في بيان النعي، سيبقى حيّاً في أروقة الكونسرفتوار وفي ذاكرة اللبنانيين، منارة تهدي الأجيال الصاعدة إلى معنى الفن الصادق.

وفي نعي مؤثر، عبّرت رئيسة الكونسرفتوار الدكتورة هبة القواس عن حجم الخسارة، معتبرة أن رحيل قعبور هو فقدان لـ”بوصلة إنسانية وفنية نادرة”. وأكدت أنه لم يكن مجرد ضيف على المعهد، بل كان صديقاً وأخاً كبيراً حمل همّ الوطن في فنه، وعلّم من حوله كيف يتحول الألم إلى موسيقى تقاوم الانكسار. وقالت: “ستبقى ألحانك أمانة في ذاكرتنا، وذكراك حية في قلب كل مبدع”.

تصفح أيضًا: أصوات الدرون تربك أنغام خلال حفلها

وفي رسالة مصوّرة خُصصت لوداعه، أضافت القواس بكلمات مشبعة بالحنين: “أغنياتك كانت كرائحة خبز في صباح قديم، كرائحة وطن لم يغادرنا رغم كل ما غادر. في صوتك كانت الشوارع أقل تعباً، وكانت الذاكرة أقل خوفاً. كيف يمكن لصوت أن يرحل، وقد علّم الريح أن تحفظه؟”.

تميّز أحمد قعبور بأسلوب فني فريد، جمع بين عمق التكوين الموسيقي وسهولة الوصول إلى الناس. كانت أغانيه بياناً إنسانياً يفيض رقةً وقوة في آن، فاستطاع أن يجعل من الموسيقى أداة للدفاع عن القيم والناس البسطاء. لم ينفصل يوماً عن بيئته، ولم يلجأ إلى برجٍ عاجي، بل بقي وفياً لهويته البيروتية، مؤمناً بأن الفن هو السلاح الأرقى في مواجهة القبح والنسيان.

صوته كان حاضراً في الشوارع والمخيمات والبيوت، وغنّى لمن لا صوت لهم. من “أناديكم” التي تحولت إلى نشيد للصمود، إلى أعماله التي وثّق فيها تفاصيل بيروت وحكايات ناسها، مثل “بيروت يا بيروت” و”يا رايح صوب بلادي”، ترك قعبور بصمة لا تمحى في الذاكرة الفنية العربية، جامعاً بين الجمال الموسيقي والالتزام الإنساني.

ولا تغيب عن الذاكرة تلك اللحظة المؤثرة في حفله الأخير الذي أقيم في كانون الأول 2025 على مسرح الكونسرفتوار. رغم معاناته الصحية، حضر مكرّماً ووقف ليؤدي رسالته الأخيرة. وفي لحظة فنية استثنائية، سقط على خشبة المسرح وسط ذهول الحاضرين. لم تكن لحظة ضعف بقدر ما كانت وداعاً عاطفياً عميقاً للمكان الذي أعطاه عمره، فالتفّ حوله الجميع بمحبة، في مشهد جسّد وفاء الناس لفنان عاش من أجلهم.

برحيله، يطوي لبنان صفحة من أنقى صفحات الفن الملتزم. أحمد قعبور لم يكن مجرد فنان، بل كان صوتاً وضميراً وذاكرة. سيبقى حاضراً في أغنياته، في شوارع بيروت، وفي قلوب من وجدوا في فنه عزاءً ومعنى. رحمه الله، وألهم عائلته ومحبيه الصبر والسلوان.

Exit mobile version