اعتبرت طهران، الخميس، أن وقف إطلاق النار المعلن قبل نحو شهرين أصبح «بلا معنى عملياً»، بعد ليلة من الضربات الأميركية الجديدة والردود الإيرانية ، في وقت تكثفت التحركات الدبلوماسية في محاولة لمنع انهيار كامل لمسار التهدئة.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن «الهجمات غير القانونية والإجرامية» التي نفذتها الولايات المتحدة خلال الساعات الأخيرة «لا تشكل انتهاكاً صارخاً فحسب، بل تجعل وقف إطلاق النار بلا معنى عملياً»، محملة قادة الولايات المتحدة مسؤولية «العواقب الخطيرة للغاية» للتصعيد.
وجاء الموقف الإيراني بعد موجة جديدة من الضربات الأميركية استهدفت مواقع مراقبة عسكرية وأنظمة اتصالات ودفاعات جوية داخل إيران، فيما ردت طهران بإعلان استهداف قواعد عسكرية في الكويت والبحرين والأردن، وإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة وتهديد أي سفينة تحاول العبور.
وبعد ثلاثة أشهر من الحرب وشهرين من هدنة هشة، بدا أن مسار التفاوض الذي كان يطرح قبل أيام بوصفه قريباً من اتفاق أولي دخل مرحلة أكثر تعقيداً، مع انتقال المواجهة من الضربات المحدودة إلى استهدافات أوسع تهدد بإغراق المنطقة في نزاع مفتوح.
ورغم التصعيد، استمرت الاتصالات السياسية خلف الكواليس. فقد بقي مفاوضون قطريون في طهران حتى صباح الخميس لإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين، في إطار اتصالات جرت بالتنسيق مع واشنطن، بحسب مصادر مطلعة.
وبينما تتواصل الوساطات والتحركات الدبلوماسية، يبدو أن التصعيد العسكري المتسارع بات يضغط على فرص التوصل إلى اتفاق سريع، حتى مع استمرار القنوات الخلفية بين الطرفين.
وفي الوقت نفسه، قالت ثلاثة مصادر إيرانية ومسؤول أوروبي لـ«رويترز» إن الجهود للتوصل إلى اتفاق مبدئي بين إيران والولايات المتحدة تكثفت خلال الساعات الأخيرة رغم الضربات المتبادلة، مضيفين أن تبادل الرسائل بين الجانبين لا يزال مستمراً بشأن تفاصيل مذكرة تفاهم محتملة.
وبحسب المصادر، تم التوصل إلى تفاهم سياسي أولي، لكن نقاطاً رئيسية ما زالت موضع خلاف، أبرزها آلية الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من عائدات النفط الإيراني المجمدة في بنوك أجنبية.
وقال مصدر إيراني إن طهران تريد الإفراج عن ما بين ستة و12 مليار دولار من أموالها المجمدة وتحويلها مباشرة إليها، بينما تصر واشنطن على الإفراج التدريجي عن الأموال وربط استخدامها بالسلع الإنسانية، مع رفض إعادة الأموال إلى إيران بشكل مباشر.
وأضافت المصادر الإيرانية أن أولوية المؤسسة الدينية الحاكمة لم تعد التوصل إلى تسوية شاملة بقدر ما أصبحت تأمين «حد أدنى من مساحة التحرك» عبر إنهاء الحرب والإفراج عن الأصول المجمدة، في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.
المدمرة الأميركية «يو إس إس مايكل مورفي» تطلق صواريخ «توماهوك» خلال الضربات الأميركية على إيران في صورة من تسجيل نشرته القيادة المركزية الأميركية، 10 يونيو 2026 (رويترز)
وفي موازاة الاتصالات القطرية، حاولت باكستان الحفاظ على دور الوسيط بين واشنطن وطهران رغم التصعيد الأخير.
اقرأ ايضا: حزب الوعى: تصريحات الرئيس بالأرقام تؤكد نهج الشفافية والمكاشفة مع المواطنين
وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن المسؤولين الباكستانيين سيواصلون جهود الوساطة لإنهاء الحرب، داعية إلى «تسوية بالتفاوض» بين الطرفين.
وقال المتحدث باسم الخارجية طاهر أندرابي إن إسلام آباد تشعر «بقلق بالغ» إزاء التطورات الأخيرة، مضيفاً أن «الدبلوماسية والحوار يجب أن يكونا المبدأين التوجيهيين لتحقيق تسوية يتم التفاوض عليها لجميع القضايا الخلافية».
وأضاف: «من الصعب أن نكون متفائلين في ظل هذا التصعيد الجديد، لكننا لم نفقد الأمل ولا نزال منخرطين في جهود الوساطة».
وشدد أندرابي على أن بلاده لا تريد «إسدال الستار» على دور الوساطة الذي تقوم به، مشيراً إلى أن وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي عاد أخيراً من طهران بعد تسليم رسالة من رئيس الوزراء شهباز شريف إلى القيادة الإيرانية.
وكانت باكستان قد برزت خلال الأسابيع الأخيرة باعتبارها إحدى القنوات الأساسية لنقل الرسائل بين واشنطن وطهران، إلى جانب قطر وسلطنة عمان، مع سعي القوى الإقليمية إلى منع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة تهدد الملاحة والطاقة في الخليج العربي.
وفي موسكو، دعا الكرملين الولايات المتحدة وإيران إلى «العودة إلى طاولة المفاوضات» وضبط النفس، محذراً من التداعيات الاقتصادية والسياسية للتصعيد.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن التصعيد يحمل «تداعيات سلبية على الوضع في المنطقة والاقتصاد العالمي»، في إشارة إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل حركة الشحن البحري.
كما دعت تركيا الطرفين إلى وقف الهجمات واستئناف المفاوضات. وقال وزير الخارجية هاكان فيدان إن أنقرة تنصح واشنطن وطهران، بالتنسيق مع باكستان، بالعودة إلى المحادثات لتجنب مزيد من التصعيد.
وأضاف فيدان أن تركيا، التي تحافظ على اتصالات وثيقة مع الجانبين، ترى أن استكمال المفاوضات يبقى المسار الوحيد الممكن للوصول إلى اتفاق سلام.
لكن رغم هذه الدعوات، لا تزال الفجوات الرئيسية قائمة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تطالب إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، وضمان عدم تطوير سلاح نووي.
في المقابل، تصر طهران على رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، إضافة إلى وقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان، ضمن أي تفاهم نهائي.
وانضمت إيطاليا إلى الدعوات الأوروبية للضغط المشروط على طهران. وقالت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني، الخميس، إن على أوروبا أن تكون مستعدة لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران إذا أبدت استعداداً للتفاوض، وزيادتها إذا واصلت التصعيد.
وأضافت أمام البرلمان أن استمرار طهران في «تهديد حرية الملاحة وشن هجمات ودعم ميليشيات وانتهاك التزاماتها الدولية» يستدعي استعداد الاتحاد الأوروبي لزيادة الضغط، بما في ذلك عبر «إجراءات جديدة محددة الأهداف»، في ظل تأثير توترات مضيق هرمز على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
