“لو كنت أملك موسى ديمبيلي وهو في الثامنة عشرة من عمره، لكان قد أصبح أحد أفضل اللاعبين في العالم بجوار مارادونا ورونالدينيو”.. هكذا وصف الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، لاعب الوسط البلجيكي عندما كان في توتنهام.
في كل فترة توقف دولي، أو عندما يشعر جمهور توتنهام هوتسبير باليأس من خط وسط فريقهم، تطفو على السطح تلك التغريدة الشهيرة: “موسى ديمبيلي لم يفقد الكرة لمدة 6 مواسم”، والبعض يكتب “6 أشهر” ولكن في النهاية، لا توجد احصائية تشير إلى ذلك.
ورغم أن المنطق الإحصائي ينفي هذه المبالغة الخيالية، إلا أن وراء هذه الكذبة البيضاء حقيقة مرعبة؛ فقد كان النجم البلجيكي يمتلك بالفعل قدرة شبه خارقة على الاحتفاظ بالكرة، لدرجة جعلت جماهير البريميرليج تصدق المستحيل.
القصة الحقيقية التي ولّدت هذه الأسطورة تعود إلى موسم 2015-2016. لم يحتفظ ديمبيلي بالكرة لستة أشهر متواصلة دون خطأ، لكنه حقق رقماً قياسياً استثنائياً؛ حيث أتم 31 مراوغة ناجحة متتالية في الدوري الإنجليزي الممتاز دون أن ينجح أي خصم في قطع الكرة منه.
هذا ما كتبه جاك إينتوستل، المختص بالأرقام والاحصائيات عبر شبكة “سكواوكا” العالمية.
وفي ذلك الموسم نفسه، تشير الإحصائيات إلى أن ديمبيلي، رغم محاولاته المستمرة للاختراق وتكسير خطوط الخصوم، لم تُفتك منه الكرة سوى 7 مرات فقط طوال الموسم في مواجهات (واحد ضد واحد)، وهو رقم إعجازي للاعب وسط يلعب في دوري يتسم بالالتحامات البدنية العنيفة والضغط العالي.
في سبتمبر 2016، توقف ديمبيلي، عندما فشل في المراوغة خلال مواجهة سندرلاند، أمام الجابوني ديدير ندونج، لتتوقف سلسلة من المراوغات منذ مارس 2016 في ديربي شمال لندن، الذي انتهت 2-2 بين الفريقين.
وأضاف جاك في مقال كتبه عبر موقع ” scoutedftbl” الإنجليزي: “اكتشفت لاحقًا أنه خلال فترة سبع سنوات، من سبتمبر 2012 إلى يناير 2019، حقق أعلى نسبة نجاح في المراوغة بين جميع اللاعبين الذين حاولوا 200 مراوغة على الأقل خلال تلك الفترة. وكان يايا توريه اللاعب الوحيد الآخر الذي حاول 300 مراوغة على الأقل وحافظ على نسبة نجاح تتجاوز 70%.
وأكمل: ” ساهمت نسبة نجاحه المذهلة في المراوغات في قدرته الفائقة على الاحتفاظ بالكرة، لدرجة أنه كان يكاد لا يفقدها. كما أنه نادراً ما كان يخطئ في التمرير. كان هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة له”.
لم يكن موسى ديمبيلي مجرد لاعب استعراضي، بل كان “القلب النابض” لواحد من أفضل أجيال توتنهام في العصر الحديث. كان يمتلك مزيجاً نادراً: بنية جسدية ضخمة تجعل إزاحته عن الكرة أشبه بمحاولة تحريك جدار، وقدم يسرى حريرية تراقص الكرة بمرونة.
كان دوره التكتيكي مع بوتشيتينو استثنائيًا، من خلال مقاومة الضغط (Press-resistance): كان المخرج الآمن للفريق. عندما يتعرض دفاع توتنهام للضغط الخانق، كانت التمريرة لديمبيلي تعني أن الكرة في أمان، وأنه سينقل الفريق من الحالة الدفاعية للهجومية بلمسات بسيطة.
بالإضافة إلى ذلك، وبفضل قدرته على جذب لاعبين أو ثلاثة من الخصم نحوه وتجاوزهم، كان يخلق مساحات شاسعة للاعبين مثل كريستيان إريكسن وديلي آلي وهاري كين في الهجوم.
شكل موسى ديمبيلي ثنائيًا مرعباً مع فيكتور وانياما أو إيريك داير، حيث تكفلوا بتدمير هجمات الخصوم، بينما تولى ديمبيلي مسؤولية نقل الفريق للأمام.
كان ديمبيلي ذكيًا للغاية في قراءة اللعب، ولديه الحل قبل أن تصل له الكرة، وهو ما كان يميزه ويجعله رأس المثلث في وسط الملعب، سواء كان الفريق في الحالة الهجومية أو الدفاعية.
في موسمه الأخير، والذي مهد الطريق لتأهل توتنهام إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، كان ديمبيلي في وسط ملعب توتنهام قطة لا غنى عنها، بجانب إيريك داير وسيسوكو، مع طريقة لعب 4-4-2 للمدرب بوتشيتينو، يرافقه أحيانًا هاري وينكس ووانياما، بينما إريكسن كان اللاعب الذي يساعده في اختراقات دفاع الخصوم، مع ثنائية كين وسون.
في يناير 2019، وافق توتنهام على رحيل موسى ديمبيلي، مقابل 6 مليون يورو إلى جوانجزو الصيني، بعدما كان يغيب عن الفريق بسبب الإصابة منذ نوفمبر 2018 ضد ولفرهامبتون.
أكمل توتنهام الموسم بدون ديمبيلي، وتمكن من الوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا قبل الخسارة من ليفربول، في أحد أفضل المواسم لسبيرز أوروبيًا، بل الموسم الأفضل في دوري الأبطال.
أصبح هاري وينكس وسيسوكو وديلي آلي يتناوبان على مركز وسط الملعب رفقة إيريك داير وإريكسن، ليصل سبيرز إلى النهائي ولكن يخسر من ليفربول.
نوصي بقراءة: رسميًا.. الزمالك يعلن اعتذار عبد الرؤوف ويكشف بديله
في الموسم التالي، تعاقد توتنهام مع تانجوي ندومبيلي مقابل 62 مليون يورو لتعويض موسى ديمبيلي، كأغلى صفقة في تاريخ توتنهام حينذاك، لكنه لم يعوض موسى.
مع مرور الوقت، تغيرت طريقة لعب توتنهام بقدوم مورينيو بدلًا من بوتشيتينو، وأعير تانجوي إلى نابولي ثم جالطة سراي، قبل أن يستقر في نيس نهائيًا في صفقة انتقال حر.
الحقيقة الثابتة، أن موسى ديمبيلي كان من وضع حجر الأساس لوسط ملعب توتنهام المتنوع والمرن في 2019، بعد أن كان بوتشيتينو قد بنى عليه كل شيء قبلها بـ 3 سنوات، لتنتهي القصة لكلًا منهما، بطلًا بدون بطولة.
إذا نظرت إلى مسيرة موسى ديمبيلي الدولية (التي بدأت مبكراً جداً في عام 2006 وامتدت لـ 82 مباراة دولية)، ستكتشف مفارقة كروية عجيبة؛ ففي الوقت الذي كان فيه ديمبيلي يُرعب خصومه في أقوى دوري في العالم بقميص توتنهام، كان غالباً ما يجلس على دكة بدلاء منتخب بلاده!
كان ديمبيلي بمثابة “الجندي المجهول” وأحد المؤسسين الأوائل لجيل بلجيكا الذهبي منذ أولمبياد بكين 2008، لكنه اصطدم دائماً بتفضيلات المدربين التكتيكية.
وفي 2018 تعرض روبرتو مارتينيز لهجوم كبير من الإعلام البلجيكي، بعدما تجاهل المدرب الإسباني اللاعب خلال كأس العالم في روسيا خلال مباريات هامة.
فضل مارتينيز الاعتماد على ثنائية (أكسيل فيتسل ومروان فيلايني) في خط الوسط، متجاهلاً موسى ديمبيلي الذي كان يعيش أفضل فترات مسيرته. مارتينيز كان يرى أن ديمبيلي يحتفظ بالكرة كثيراً ويبطئ رتم الهجمات المرتدة السريعة لبلجيكا، وهو ما اعتبره النقاد إهداراً لقيمة فنية نادرة.
تلك القناعة تأتي من اعتماد مارتينيز على التحولات الهجومية، من خلال شاذلي وهازارد ودي بروين وكذلك روميلو لوكاكو، لكن في وجود ديمبيلي كان الأمر سيكون أكثر خطورة.
الحدث الذي فجر الغضب ضد مارتينيز كان في نصف نهائي مونديال روسيا أمام فرنسا. بعد تهميش ديمبيلي طوال البطولة تقريباً، قرر مارتينيز فجأة إقحامه كأساسي في أهم مباراة في تاريخ بلجيكا بتوظيف تكتيكي معقد وغريب.
كانت ثنائية وسط الملعب فيتسيل وديمبيلي، بجانب فيلافيني وأمامهم دي بروين، بين الثنائي شاذلي وهازارد، وبالتالي كانت أدوار لاعب توتنهام معقدة في ذلك الوقت.
ظهر موسى ديمبيلي تائهاً ومفتقداً لنسق المباريات الكبرى، وتم استبداله في الدقيقة 60، بعدما شارك بديلًا ضد بنما، وجلس على مقاعد البدلاء أمام تونس، ثم عاد أساسيًا أمام إنجلترا، وفي مواجهتي دور الـ16 وربع النهائي، شاهد من على مقاعد البدلاء فوز الشياطين الحمر على اليابان ثم البرازيل.
شنت الصحافة هجوماً قاسياً على مارتينيز واتهمته بأنه “ظلم ديمبيلي مرتين”؛ بتجاهله في قمة مستواه، ثم بإلقائه في النار أمام أقوى خط وسط في البطولة ليتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية الإقصاء.
إذا كان ديمبيلي بهذه البراعة، فلماذا لم يستمر طويلاً في القمة؟ .. ربما هو السؤال الذي يدور في ذهنك الآن عندما تقرأ السطور السابقة.
أسلوب لعب موسى ديمبيلي كان يعتمد بشكل كبير على المراوغات القصيرة وتغيير الاتجاه المفاجئ مع الاحتفاظ بالكرة تحت ضغط بدني قوي من الخصوم. هذا الأسلوب، مضافاً إليه نظام التدريب القاسي عالي الكثافة لمدربه بوتشيتينو، وضع حملاً هائلاً على مفاصل اللاعب.
بدأ ديمبيلي يعاني من إصابات مزمنة، وتحديداً في الكاحل والقدم. أصبح من المستحيل عليه طبياً وبدنياً أن يخوض 3 مباريات في الأسبوع بنفس الكفاءة.
الألم المستمر جعل من الصعب عليه التدرب بانتظام، مما أدى إلى تراجع قدرته البدنية على مجاراة سرعة الدوري الإنجليزي الذي كان يتطور بشكل أكبر بدنيًا مما كان عليه من قوة.
في يناير 2019، أدرك ديمبيلي أن جسده لم يعد قادراً على تلبية متطلبات البريميرليج، ليتخذ قراراً بالرحيل نحو الدوري الصيني، فرحل البلجيكي بهدوء، لكن أثره بقي محفوراً في ذاكرة كل من زامله أو واجهه.
يكفي أن نذكر أن نجم مانشستر سيتي، كيفين دي بروين، صرح قائلاً: “ديمبيلي هو أفضل لاعب وسط رأيته في حياتي سواء زميل أو خصم”. كما اتفق العديد من نجوم الدوري الإنجليزي أن محاولة قطع الكرة منه كانت “كابوساً”.
رحل ديمبيلي، وبقيت أرقامه وأساطيره شاهدة على “وحش” خط الوسط الذي امتلك أقدام راقص باليه، ودفع ثمن عبقريته الكروية من جسده، ليبقى لاعباً يبحث توتنهام وبلجيكا عن خليفة له حتى يومنا هذا.
