السبت, يونيو 6, 2026
الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةفي متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

في متحف الذهب الأسود بالرياض… التصميم في خدمة الفن

متحف الذهب الأسود في الرياض الذي فتح أبوابه في أبريل (نيسان) الماضي لم يكن فقط فريد من نوعه وطرحه؛ حيث إنه يتحدث عن النفط وتاريخه من خلال الفن المعاصر، بل تميز أيضاً بوجوده داخل مبنى كابسارك الذي صممته الراحلة زها حديد. المبنى بتصميمه المميز والمنساب برشاقة يعد تحفة معمارية وبتخصيص قاعاته بعد إعادة تصميمها إلى متحف للذهب الأسود تحول إلى مركز ثقافي فني بامتياز، أو كما وصفه البيان الصحافي وقت الافتتاح «معلم معماري أعيد تصوره».

متحف الذهب الأسود «كابسارك» مبنى أيقوني بتصميم زها حديد (هيئة المتاحف)

نتحدث مع المعماري ديوا كانغ الذي كُلف بتصميم المساحات الداخلية عن المبنى وعن عملية التغيير التي أخذته من كونه مكتبة بحثية لصورته الحالية كأول متحف عن تاريخ النفط وارتباطه بالفن المعاصر. حين كلف كانغ بتصميم المتحف لم تكن الفكرة تشييد مبنى جديد، بل الاستفادة من المبنى القائم في الرياض، وبالفعل انطلق العمل لتأهيل المساحة لتصبح مناسبة للعرض المتحفي. يرى ديوا كانغ أن مشروع تصميم المتحف هو «أكثر مشاريع إعادة استخدام المباني الثقافية طموحاً في السعودية»، ويرى الفرص الهائلة أمام الاستفادة من المباني الموجودة بأقل تدخل إنشائي ممكن.

ديوا كانغ (جيرمين بينز)

أطلق حواري مع ديوا كانغ بالحديث حول تصميم المتحف الممتد على 4 طوابق من القاعات الدائمة.

بداية يشير إلى نقطة مهمة، وهي أنه كان أحد المصممين في مكتب زها حديد التي صممت مبنى «كابسارك» منذ 20 عاماً. يقول: «طوّرتُ علاقة رائعة مع المملكة والشعب السعودي من خلال هذا المشروع، وكنتُ دائماً على اتصال وثيق بمركز كابسارك للأبحاث. كان لديهم مركز أبحاث نابض بالحياة، يضمّ العديد من الباحثين، وكان هناك مركز مؤتمرات، وكانوا يقيمون فعاليات متنوعة». ولكن التطور الرقمي أدى إلى تقلص استخدام المكتبة، وهو ما دفع في التفكير لاتجاه جديد للاستفادة من المساحة الموجودة. وقتها كان كانغ قد أسس استوديو تصميم خاص به «دايو كانغ ديزاين» في لندن. يقول إن فكرة تصميم متحف داخل المبنى جاءت من رغبة المسؤولين في «التوصل إلى أفضل طريقة لتفعيل المبنى بشكل يتجاوز استخدامه السابق».

جانب من التصميم الداخلي للمتحف (ديوا كانغ ديزاين-حسن الشطي)

بدأ المشروع بفكرة وقائمة بالأعمال الفنية المقترح إضافتها للمتحف كما يقول: «أدركنا أنها فكرة رائعة حقاً، وأن المساحة كانت مثالية، وإن كانت صعبة للغاية. كان علينا تغيير التصميم المعماري بالكامل لتحويله إلى متحف، لكنه الآن أصبح مثالياً لعرض الاعمال المقترحة، وقد نجحنا بالفعل في ابتكار مساحة لا يمكن تخيلها. أعتقد أن الناس عندما يزورون المكان، يندهشون ويقولون: يا له من متحف! لم يتخيلوا قط أن له وظيفة مختلفة من قبل؛ لذا، أشعر بفخر كبير بهذا الإنجاز».

فصل الأحلام في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

يتحدث عن تغييرات جذرية لتحويل المكان من وضعه السابق إلى متحف وأسارع بالسؤال عن التفاصيل، يجيب: «التغيير الأكبر هو الانتقال بالمكان من كونه مكتبة بحثية ذات رفوف مفتوحة، حيث تجد كتابك، ثم تعود إلى ركن قراءة صغير للدراسة»، وبين مساحة لعرض الأعمال الفنية. «في المكتبة لا يُستخدم إلا جزء صغير جداً من المساحة. أما بالنسبة للمتاحف التي تضم مجموعة دائمة كبيرة كما هو الحال لدينا، فيجب تحويل المساحة بأكملها إلى صالات عرض».

قصة النفط في متحف الذهب الأسود بالرياض (هيئة المتاحف)

تطلب الأمر تغيير مسار الحركة في المبنى بالكامل بحسب كانغ «في المتحف ينتقل الزائر من قطعة فنية إلى أخرى، وهكذا دواليك؛ ما يجعل التجربة أشبه برحلة؛ لذا، أزلنا جميع مسارات الحركة الرئيسية، واضطررنا إلى إنشاء مسارات جديدة تتمحور حول درج حلزوني كبير يصعد إلى الأعلى عبر 4 طوابق من المعارض، وهي رحلة أكثر استقامة، فأصبح المكان أشبه بمساحة عامة كبيرة؛ حيث يمكن للناس التجمع، ويتنقلون بين المعارض الواحد تلو الآخر».

من الأعمال في فصل الأحلام في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

يتكون المتحف من 4 قاعات رئيسة، وبحسب التصميم الداخلي يعود الزائر بعد الانتهاء من كل قسم إلى الدرج الحلزوني الفسيح ليصعد للطابق التالي: «هذا يخلق معلماً بارزاً وتجربة مشتركة لكل من يزور المتحف، مع إضافة درج آخر مختلف للنزول حتى لا يضطر الزوار للعودة من الطريق نفسه الذي أتوا منه».

نوصي بقراءة: إنزاغي: سأتحدث عن سوق الانتقالات غداً

ماذا عن حركة الزوار، والمساحات التي يمكنهم فيها الوقوف أو الجلوس؟ وما مدى سهولة رؤية المعروضات والتجول فيها؟ يجيب قائلاً: «من المهم، بل من الضروري، خاصةً في صالات العرض، مراعاة انسيابية حركة الزوار؛ لذا أنشأنا العديد من الأماكن المميزة المُخصصة للزوار للاسترخاء والجلوس. أما في صالات العرض، كما ذكرت، فنحن نُسهّل على الزوار التنقل بين المعروضات».

زيارة أي متحف تحتاج إلى مساحات للراحة أو التأمل، يوافق ويضيف: «أضيف إلى ذلك أهمية تصميم صالات عرض بأشكال وأحجام متنوعة يمكن استخدامها، لخلق إيقاعات ووتائر مختلفة لتجربة المتحف؛ لأنّ الأمر يستغرق فعلاً ساعتين أو أكثر، وربما 3 ساعات، إذا تجوّلت في المعرض بأكمله الذي يضمّ 350 قطعة؛ لذا، لا بدّ من وجود فتراتٍ تتنقل فيها بين أروقةٍ طويلة، وفتراتٍ أخرى تزور فيها قاعاتٍ كبيرة تضمّ قطعاً أثرية ضخمة؛ لذا، سعينا لخلق مساحاتٍ هادئةٍ بين هذه المساحات. ففي كلّ مرّةٍ تغادر فيها المعرض، وتنتقل إلى الطابق التالي، تجد مساحةً تُشجّعك على أخذ قسطٍ من الراحة الذهنية. ونعتقد أنّ هذا مهمٌّ للغاية، فدور هذه المتاحف هو أن تجعل الناس يُفكّرون مليّاً في موضوع المعرض».

من أعمال الفنانة السعودية منال الضويان في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

بالنسبة لتصميم مساحات العرض يقول: «كان علينا ابتكار مساحات مثالية لعرض الأعمال الفنية ففي تصميم زها حديد للمبنى كل شيء يتسم بالديناميكية، من دون جدران عمودية؛ لذا، ابتكرنا طرقاً مختلفة لإنشاء جدران لعرض الأعمال الفنية وأماكن لوضع المنحوتات.» كمثال يشير إلى صورة من داخل المبنى قبل إجراء التعديلات، ويقول: «هنا نرى الجدران المائلة، وكان علينا أن نجد طرقاً مختلفة لإنشاء مساحة عمودية لتعليق الأعمال الفنية».

أتابع السؤال حول التغييرات في المبنى: «ذكرتَ أنكم اضطررتم لإجراء بعض التغييرات لأن الجدران لم تكن مُهيأة تماماً لتعليق المعروضات. هل أجريتم أي تغييرات دائمة لاستيعاب المجموعة أو الوظيفة الجديدة للمكان كمتحف؟». يقول: «نعم، بالتأكيد. لقد بذلنا قصارى جهدنا، لإزالة جميع أجزاء التصميم الداخلي، وإعادة بنائها لإنشاء صالات العرض، أما الهيكل الرئيسي، فقد حافظنا عليه بالكامل لتقليل الأثر البيئي».

جانب المعروضات في المتحف (واس)

بشكل ما لم تكن مهمة كانغ في إعادة تصور المبنى من الداخل صعبة؛ حيث إنه كان من فريق التصميم الذي أنشأ المبنى الأساسي: «بالنسبة لي، كنت أعرف أفضل طريقة لإجراء التغييرات دون الإخلال بالتصميم الأصلي، وكنت أعرف أيضاً أين تكمن إمكانية تحسينه، وتمكنا من تحقيق بعض ذلك في التصميم؛ لذا أعتقد أن بعض هذه العناصر أكثر ديناميكية وتفاعلية من الناحية المكانية مما كان عليه الوضع سابقاً. هناك الكثير من التفاصيل الجميلة».

«وماذا عن الإضاءة واستخدامها ضمن التجربة المتحفية؟». يجيب: «في العرض المقام في القبو شعرت مصممة العرض ناتالي بأن استخدام هذه المساحة يوفر فرصة عظيمة لعرض بعض المقاطع الارشيفية، عندما تنزلون إلى القاعة ستجدون الإضاءة خافتة وكأنكم في باطن الأرض. ساعدناها في تحقيق ذلك من خلال التصميم المعماري أيضاً. كل شيء أسود. ثم عندما تصعدون إلى المساحات الأخرى، تجدون مساحاتٍ زاهية الألوان، ثم مساحةً رمادية باهتة».

الدرج الحلزوني في متحف الذهب الأسود (ديوا كانغ ديزاين)

المستقبل

بعد 6 سنوات من العمل يلخص كانغ تجربته وانطباعه عن المتحف: «أعتقد أن مستقبل المتاحف يكمن في فكرة تكييف المباني القائمة، نظراً لأهمية العامل البيئي. من المهم جداً بالنسبة لي أن نُدرك أن الإبداع لا يقتصر على الأشياء الجديدة كلياً، بل يمكننا أيضاً العمل مع التراث والمباني القائمة، عبر تقديم تصميمات جذابة ومبتكرة. البعض يرى أن الأهم هو الحفاظ على التراث أو ترك كل شيء على حاله، لكنني أرى الفرق في حالة متحف الذهب الأسود، إنه أشبه بتحوّل حقيقي، ولكنه حافظ على ما قدمته المهندسة زها حديد».

عن المتحف

وبحسب البيان الصحافي، يتألف المتحف من 4 أقسام تفاعلية تحمل عناوين: «اللقاء»، و«الأحلام»، و«الشكوك»، و«الرؤى». ويستعرض قسم «اللقاء» بدايات اكتشاف النفط واستخداماته المبكرة في منتصف القرن التاسع عشر، وما أحدثه من تحولات في أنماط الحياة مع تسارع التصنيع. أما «الأحلام» فيتتبّع تحوّل النفط إلى مورد أعاد تشكيل المجتمعات، وعزز الطموحات التنموية. ويقدم «الشكوك» قراءة لتأثير النفط والمفارقات المعقدة للاعتماد البشري عليه، في حين يستشرف «الرؤى» المستقبل عبر برنامج متجدد يفتح المجال للحوار والاكتشاف.

ويتناول متحف الذهب الأسود النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، ويقدم مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها ما يزيد على 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان، إلى جانب آخرين، كما يضم المتحف تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية.

مقالات ذات صلة
- اعلان -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات