بعيدًا عن صخب المدرجات وبريق الألقاب، يخوض كيليان مبابي معركة من نوع آخر لا تُنقل عبر الشاشات الرياضية، لم يعد الشاب الفرنسي مجرد آلة لتسجيل الأهداف، بل تحول إلى سفير عالمي، ورمز وطني، وصوت سياسي مؤثر يمثل فرنسا متعددة الثقافات.
لكن مع هذا النفوذ الهائل، تأتي ضريبة باهظة؛ حيث يجد مبابي نفسه اليوم في أخطر وأدق مفترق طرق في مسيرته، موازنًا بين ضغوط الشهرة، ومواجهة العنصرية، ومسؤولياته كـ “مواطن” يرفض الصمت في وجه العواصف السياسية.
انطلقت شرارة الأسطورة من بوندي، إحدى أفقر ضواحي العاصمة باريس، حيث وُلد مبابي لعائلة رياضية من الطبقة العاملة؛ لأم ذات أصول جزائرية (فايزة) احترفت كرة اليد، وأب كاميروني (ويلفريد) عمل كمدرب لكرة القدم.
في تلك الشوارع البسيطة، تشكلت أحلامه الكبرى؛ كان مهووسًا بالأسطورة زين الدين زيدان، لدرجة أنه طلب من الحلاق وهو طفل صغير أن يمنحه قصة شعر صلعاء تيمنًا ببطله، دون أن يدرك ببراءة الطفولة أن زيدان لم يكن أصلعًا باختياره!
منذ سن السادسة، كان مبابي يخبر كل من حوله بوضوح وثقة أنه سيلعب يومًا لباريس سان جيرمان وريال مدريد، وسيفوز بكأس العالم والكرة الذهبية.
المذهل أنه قبل أن يبلغ عامه العشرين، كان قد حوّل أغلب هذه الأحلام الطفولية إلى واقع ملموس، ليثبت أن خياله كان مجرد خطة عمل قيد التنفيذ.
لم يختبر مبابي يومًا طعم الحياة العادية بعيدًا عن فلاشات الكاميرات؛ فقد وقّع أول عقد رعاية مع نايكي وهو في الثامنة من عمره.
اليوم، يعيش النجم الفرنسي في قصر فخم بالعاصمة الإسبانية اشتراه من جاريث بيل، وتدر عليه عقود الرعاية مع علامات عملاقة مثل ديور وهوبلو ملايين الدولارات، ويتابعه أكثر من 131 مليون شخص على إنستجرام.
لكن هذه الشهرة الطاغية جعلت حياته أشبه بـ “قفص من ذهب”، حيث تطارده عدسات الباباراتزي في كل مكان، حتى خلال إجازاته الخاصة على متن اليخوت.
نوصي بقراءة: إنزاجي: النصر جعلنا نعاني وبابلو ماري هو الحل الآسيوي للهلال
يعترف مبابي بثقل هذا الواقع قائلًا: “تشعر أحيانًا وكأنك لم تعد تنتمي لنفسك، بل للجميع”.
ورغم ذلك، يرفض لعب دور الضحية، مؤكدًا أن التذمر يُعد نكرانًا لجميل الملايين الذين يغمرونه بالحب، محاولًا التسلح بالتعاطف والصبر في مواجهة التدخلات القاسية في حياته الخاصة.
كحال الكثير من نجوم الرياضة ذوي الأصول المهاجرة، يواجه مبابي الوجه القبيح لازدواجية المعايير في المجتمع الأوروبي؛ فهم أبطال قوميون يُتغنى بأسمائهم عند الانتصارات، وغرباء وأفارقة لا يستحقون تمثيل البلاد عند الهزائم.
وقد تجلى هذا بوضوح بعد إهداره ركلة جزاء حاسمة في يورو 2020، حيث تعرض لحملة إساءات عنصرية شرسة دفعته للتفكير جديًا في الاعتزال الدولي.
يتعامل مبابي مع هذه التناقضات بوعي ونضج، مدركًا للطبيعة الانتقادية في بلاده، ويقول بابتسامة مريرة: “نحن فرنسيون! والفرنسي يحب الشكوى وينتقد كل شيء، وأنا منهم! لكن هدفنا كشخصيات مؤثرة هو محاربة هذا الجانب المظلم وتغيير العقليات، لتقديم أفضل صورة ممكنة عن بلدنا الذي يُلهم العالم”.
“نحن نحاول جاهدين محاربة فكرة أن لاعب كرة القدم يجب أن يصمت ويلعب فقط”.. بهذه العبارة القوية، حطم مبابي الصورة النمطية للرياضي المنعزل عن قضايا مجتمعه.
عندما هدد اليمين المتطرف باكتساح الانتخابات الفرنسية، لم يختبئ مبابي خلف نجوميته، بل خرج ليحذر علنًا من هذا الخطر واصفًا إياه بالكارثي.
عندما انتقد بعض السياسيين تدخل الرياضيين الأثرياء في الشأن العام، جاء رد مبابي قاطعًا كإحدى تسديداته: “قبل أن تكون نجمًا عالميًا، أنت مواطن. امتلاك المال والشهرة لا يعزلنا عن واقعنا ولا يغنينا عن مشاكل مجتمعنا، لأنني أعرف جيدًا عواقب هذه السياسات على بلدي.. لنا الحق في إبداء رأينا كأي شخص آخر”.
في خضم هذه المعارك المتشابكة، يثبت كيليان مبابي أنه ليس مجرد لاعب استثنائي وُلد ليحطم الأرقام القياسية، بل هو شخصية تاريخية في طور التكوين.
من خلال مواقفه الشجاعة ومؤسسته الخيرية “مستوحى من كي إم”، يبني مبابي إرثًا حقيقيًا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، إرثًا يرتكز على التضامن والرحمة، ليؤكد للعالم أنه في أخطر مراحل مسيرته، قرر ألا يكون مجرد بطل رياضي، بل قائدًا لمجتمعه.

