في صيف 2018، وتحديدًا تحت أمطار موسكو، وقف شاب في التاسعة عشرة من عمره يحمل كأس العالم، يُدعى كيليان مبابي، وبينما كان العالم يصفق، توقع الجميع أن الطفل المعجزة الذي قارنه البعض بتيري هنري، سيتخطاه وسيكون الوريث الشرعي لميسي ورونالدو.
كان كيليان مبابي حينها يركض بسرعة البرق، ويسجل في النهائي، ويملك العالم بين يديه. قبلها، قاد موناكو لنصف نهائي دوري أبطال أوروبا مع جيل ممتاز لفريق الإمارة، وانضم إلى باريس سان جيرمان من أجل حصد الألقاب.
اليوم، ونحن في عام 2026، تبدو تلك اللحظة وكأنها من عصر آخر. الطفل المعجزة لم يعد طفلًا، والأدهى أنه لم يعد معجزة بالقدر الذي توقعه الجميع. وبينما كان ينتظر خلافة ميسي، عاد البرغوث ليحصد 3 كرات ذهبية أخرى، إحداها كان مبابي يقف ليصفق فيها لبطل العالم.
لم يكن مبابي في باريس مجرد لاعب، بل تحول إلى “دولة داخل النادي”. الصحافة الفرنسية فتحت ملفات الصدامات التي جعلت غرف الملابس “بيئة سامة”، كما وصفت صحيفة “ليكيب” الفرنسية في إحدى موضوعاتها خلال الموسم الأخير لكيليان مع عملاق العاصمة.
بدأت الأزمة بـ”Penalty-gate” مع نيمار، وانتهت بشعور ميسي ونيمار بأن النادي أصبح يُدار بعقلية كيليان مبابي أولًا. هذا الصراع كسر روح الفريق، وحوّل مبابي في نظر الكثيرين إلى “تفاحة فاسدة” تُفسد من حولها بطلباتها المالية والسلطوية.
كيليان مبابي، في مايو 2022، قرر التجديد لمدة عامين مع باريس سان جيرمان، وبصلاحيات مطلقة، كنجم المشروع، وليس ميسي أو نيمار، وهو ما ظهر بالفعل في مواجهة مونبيلييه، عندما أهدر كيليان ركلة جزاء، وفي الشوط الثاني، قرر نيمار تسديد ركلة أخرى حصل عليها الفريق، وأمسك بالكرة، وعندما سجل لم يحتفل معه كيليان.
بعد المباراة، أعجب نيمار ببعض التغريدات التي انتقدت اختيار مبابي كمسدد ركلات الجزاء الأول عبر منصة تويتر “X حاليًا”، بل وارتبط نيمار نفسه بالرحيل بسبب استمرار كيليان.
في كأس العالم 2022، خسر مبابي بعدما سجل هاتريك ضد الأرجنتين، وابتسمت ركلات الترجيح لزميله في باريس سان جيرمان آنذاك، ليونيل ميسي.
وفي تصريحات بعد خسارة الكرة الذهبية بأقل من شهر، قال مبابي: “في ليلة 18 ديسمبر، كنت أعرف أنني خسرت كأس العالم، وكذلك الكرة الذهبية، ليونيل يستحق ذلك، ولكن كأس العالم لعب الدور الأكبر”.
تلك الليلة شهدت تصفيق كيليان مبابي للأسطورة ليونيل ميسي، بعدما كان يُمني النفس بأن يكون هو خليفته وليس منافسه على الكرة الذهبية، التي روضها ليو حينها للمرة الثامنة.
في مارس 2024، وخلال الموسم الأخير لمبابي، والأول بدون ميسي ونيمار بعد رحيلهما، تحدث كيليان بعد عبور ريال سوسيداد، وقال: “لدي العديد من المشاكل حقًا، ولكن المدرب ليس من بينها”. كان ذلك ردًا على غضبه أثناء الخروج من الملعب وعدم مصافحة إنريكي.
بعد شهرين، أعلن مبابي رحيله، وهو ما دفع إنريكي إلى عدم إشراك اللاعب الفرنسي في العديد من المباريات، وعندما سُئل عن ذلك، قال: “عليّ تجربة لاعبين آخرين يستطيعون قيادة الفريق في المستقبل”.
رحل مبابي بنهاية ذلك الموسم، وترك خلفه العديد من المشاكل مع رئيس النادي ناصر الخليفي، والقضايا المتعلقة ببعض مستحقات اللاعب الفرنسي.
اقرأ ايضا: رسميًا.. أرسنال يعلن تعاقده مع الدنماركي كريستيان نورجارد
المفارقة الكبرى، أنه بمجرد رحيل كيليان، تنفس باريس الصعداء، وبنى لويس إنريكي فريقًا جماعيًا لا يقدس الأفراد، ونجح النادي في الوصول إلى مراحل متقدمة وتقديم كرة ممتعة، مما أثبت أن رحيله كان علاجًا وليس خسارة.
وأكد إنريكي ذلك بشكل غير مباشر، عندما أشاد بكيليان مبابي، لكنه شدد على أن بناء الفريق كان يتطلب الاعتماد على مجموعة، وليس نجمًا واحدًا.
فشل مبابي في الأبطال مع باريس، وخسر نهائي 2020، بينما عثمان ديمبيلي، في النهائي الأول، توج باللقب وحصد الكرة الذهبية في 2025.
انتقل مبابي إلى ريال مدريد لتحقيق الحلم المؤجل، وهو التتويج ببطولة دوري أبطال أوروبا، التي أقصاه منها الملكي في 2022، وتوج بها أنشيلوتي مجددًا في 2024.
وبعد مرور موسمين، وجد مبابي نفسه أمام مشاكل تزداد مع مرور الوقت. فبعد بداية سيئة للموسم الماضي، كانت النهاية ممتازة على مستوى الأرقام الفردية (44 هدفًا و5 تمريرات حاسمة في 59 مباراة).
وفي الموسم التالي، تألق مبابي مع ألونسو، وسجل 29 هدفًا وصنع 5 في 25 مباراة، لكن مع رحيل تشابي، تحولت الأمور تمامًا.
12 هدفًا وصناعة يتيمة في 16 مباراة تحت قيادة أربيلوا، وفي غيابه كان الفريق يقدم مستويات جيدة ويحقق نتائج إيجابية، بينما عندما يعود يعاني الملكي معه.
وبعيدًا عن مستواه في الملعب، تحول كيليان إلى أحد المغضوب عليهم من جماهير ريال مدريد، بسبب بعض التصريحات، وكذلك السفر المتكرر، ما بين المغرب لحضور أمم إفريقيا، والإصابات المتكررة، وغضبه من الطاقم الطبي، بالإضافة إلى إجازته التي قضاها أثناء فترة الإصابة الأخيرة.
عندما خسر مبابي مونديال 2022، أكد أن تلك الليلة تسببت في خسارته للكرة الذهبية، وهو دليل قاطع على أن العام الذي يشهد بطولة كأس العالم تختلف فيه حسابات البالون دور.
وبالتالي، في ظل خروج ريال مدريد بموسم صفري وعدم تحقيق أي لقب، فإن الفرصة أمام مبابي هي تحقيق كأس العالم 2026، والاستمرار في مساهماته الاستثنائية بالمونديال.
وبالنظر إلى أرقام مبابي في كأس العالم خلال بطولتي 2018 و2022، سنجد أن كيليان، قائد فرنسا الجديد، قادر على مواصلة الأمر في 2026.
مبابي الآن يقف في مفترق طرق. الأرقام والمساهمات لا تزال بجانبه، لكن الطفل المعجزة أصبح الآن ناضجًا بما يكفي، وربما شاخ كرويًا دون أن يحقق الهدف الذي سعى من أجله، وهو دوري الأبطال والكرة الذهبية.
الكرة الآن في ملعب كيليان؛ فإما أن يتخلى عن الأنا الطاغية التي يُتهم بها، ليخدم الجماعية في مدريد، أو يستمر في حصد الأرقام القياسية دون تحقيق الهدف المأمول.
