بين طيات تاريخ كرة القدم الأوروبية، تظل هناك إنجازات تكون شبه مستحيلة، لا ترتبط فقط بالفوز بالألقاب، بل بهيمنة الفريق على منافسيه، واليوم، يقف برشلونة الإسباني، بعد ملامسة المجد المحلى والقاري، وتحقيق إنجاز رقمي نادر لم يسبقه إليه أي نادٍ في العصر الحديث للدوري الإسباني بشكله الحالي بعد الفوز على ريال بيتيس 3-1.
مع وصول قطار الليجا إلى محطاته الأخيرة، حوّل البلوجرانا ملعبه إلى مقبرة حقيقية لكل المنافسي، تسعة عشر فريقًا زاروا معقل النادي الكتالوني هذا المسم، وخرجوا جميعًا بجرار الخيبة وهزائم مريرة، تسعة عشر انتصارًا متتاليًا داخل الديار جعلت الفريق يكمل اللوحة الفنية المثالية: تحقيق 19 انتصارًا من أصل 19 مباراة على أرضه، بنسبة نجاح بلغت 100%.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه الرحلة الإعجازية، ونحلل الأسلوب التكتيكي الذي جعل من برشلونة قوة لا تُقهر على أرضه، كما نغوص في دفاتر التاريخ الأوروبي لنبحث عن الأندية القليلة التي تمكنت من تحقيق هذا الإنجاز المثالي في الدوريات الخمسة الكبرى.
لم يكن أحد، حتى أكثر المتفائلين من عشاق برشلونة، يتوقع أن يتحول الفريق بهذه السرعة إلى آلة هجومية ودفاعية مرعبة عقب تولى هانز فليك المقاليد الفنية، المدرب الألماني أحضر معه من ألمانيا عقلية صارمة لا تعرف التراجع، وطبق أسلوبًا تكتيكيًا يعتمد على الضغط العالي الخانق والدفاع المتقدم، مما جعل أي فريق يزور كتالونيا يشعر وكأنه محاصر في مساحة ضيقة لا مخرج منها.
تميز برشلونة هذا الموسم بمعدل تهديفي مرعب على أرضه، لم يكن الفريق يكتفي بالفوز، بل كان يبحث دائمًا عن تسجيل الهدف الثاني والثالث والرابع دون هوادة، الفاعلية الهجومية المتمثلة في إحياء مسيرة روبرت ليفاندوفسكي، والانفجار التكتيكي لرافينيا، والإبداع الفطري للشاب لامين يامال، جعلت من الصعب على أي منظومة دفاعية الصمود طوال تسعين دقيقة.
في مباريات عدة خلال هذا الموسم، واجه برشلونة لحظات عصيبة على أرضه؛ إصابات مفاجئة، تكتلات دفاعية معقدة، أو حتى تأخر في النتيجة، لكن الثبات الذهني الذي زرعه فليك في نفوس اللاعبين كان بمثابة الطوق الذي ينقذ الفريق في كل مرة، تحولت الأوقات الحرجة إلى منصات لإظهار القوة، لينتهي الأمر دائمًا بثلاث نقاط كاملة تضاف إلى رصيد الحصن الكتالوني.
شهدت بطولة الدوري الإسباني عبر تاريخها الطويل مواسم مثالية لأندية عدة حققت العلامة الكاملة على أرضها، مثل ريال مدريد، إشبيلية، أتلتيك بلباو، وبرشلونة نفسه، ومع ذلك، فإن الغوص في تفاصيل تلك الأرقام يكشف حقيقة هامة: كل تلك المواسم المثالية تحققت في حقب غابرة كانت فيها البطولة تتكون من عدد أقل من الأندية (14 أو 16 أو 18 فريقًا)، وبالتالي كان عدد المباريات التي يخوضها الفريق على أرضه أقل بكثير.
سبق لبرشلونة أن أنهى مواسم على أرضه بـ 13 فوزًا متتاليًا، أو 15، وحتى 17 فوزًا، لكنه لم ينجح قط في تحقيق العلامة الكاملة منذ أن تحول نظام الليجا إلى الشكل الحديث الذي يضم 20 فريقًا، وهو ما يعني خوض 19 مباراة كاملة داخل الديار.
في العصر الحديث لليجا، حتى أكثر نسخ برشلونة وريال مدريد رعبًا وسيطرة – مثل نسخة جوارديولا التاريخية أو نسخة جوزيه مورينيو القياسية بـ 100 نقطة – تعثرت في مباراة واحدة على الأقل وسط جماهيرها، سواء بالتعادل أو الخسارة المفاجئة، ولهذا السبب تحديدًا، يُعتبر ما يقترب منه رجال هانز فليك حدثًا استثنائيًا بكل المقال، سيكسر عقدة تاريخية
صمدت لعقود طويلة في وجه عمالقة اللعبة.
حين نوسع دائرة البحث لتشمل الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا (إسبانيا، إنجلترا، إيطاليا، ألمانيا، وفرنسا) في العصر الحديث، نكتشف أن تحقيق موسم مثالي بنسبة 100% من الانتصارات على الأرض هو أمر نادر للغاية كونه يتطلب استقرارًا فنيًا وبدنيًا خارقًا للعادة، لم ينجح في هذا الاختبار الصعب عبر التاريخ الحديث إلا نماذج معدودة تبرز كأيقونات للهيمنة.
كان فريق يوفنتوس تحت قيادة المدرب الإيطالي أنطونيو كونتي في موسم 2013-2014 النموذج الأبرز والأقرب للهيمنة المحلية المطلقة في العصر الحديث، في ذلك الموسم، لم يكتفِ “البيانكونيري” بالفوز بلقب الكالتشيو فحسب، بل حطم الرقم القياسي التاريخي بحصده 102 نقطة في الدوري.
تصفح أيضًا: تاريخ الجزائر ضد الكونغو: الإحصائيات والنتائج الأخيرة للمنتخبين
جزء رئيسي من هذا الإعجاز تشكل داخل أسوار ملعب “أليانز ستاديوم” في تورينو؛ حيث خاض يوفنتوس 19 مباراة على أرضه، وحقق الفوز فيها جميعًا دون أن يسقط في فخ التعادل أو الهزيمة في أي مواجهة، تميز ذلك الفريق بصلابة دفاعية حديدية قادها الثلاثي كيليني، بونوتشي، وبارزالي، خلف خط وسط أسطوري ضم بيرلو، بوجبا، وفيدال، مما جعل من زيارة تورينو كابوسًا مظلمًا لجميع أندية إيطاليا.
في فرنسا، يظل نادي سانت إتيان يحتفظ بصفحة ذهبية في تاريخ كرة القدم الفرنسية بفضل جيله الأسطوري في السبعينيات، في موسم 1974-1975، نجح الفريق الأخضر في تحويل ملعبه “جيوفروي جويشارد” إلى حصن منيع لا يمكن اختراقه.
خاض الفريق 19 مباراة على أرضه في دوري الدرجة الأولى الفرنسي، واكتسحها جميعًا محققًا 19 فوزًا متتاليًا، لم تكن كرة القدم الفرنسية في ذلك الوقت سهلة، بل كانت تتسم بالندية والقوة البدنية، إلا أن الجماعية الفائقة والروح القتالية لسانت إتيان جعلت ذلك الإنجاز يدخل التاريخ كأحد أبرز مظاهر السيطرة المحلية في تاريخ الكرة الفرنسية، وهو إنجاز عجزت عن تكراره حتى النسخ المرصعة بالنجوم والأموال لنادي باريس سان جيرمان في العصر الحالي.
حين ننظر إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يُصنف بأنه الدوري الأصعب والأكثر تنافسية في العالم، نجد أن إنجاز الفوز بجميع المباريات على الأرض في موسم واحد لم يتحقق أبداً في العصر الحديث للبطولة المكونة من 20 فريقًا.
خاضت أندية عملاقة مثل مانشستر سيتي بقيادة جوارديولا، ليفربول بقيادة يورجن كلوب، وتشيلسي في الحقبة الأولى لجوزيه مورينيو، مواسم مرعبة اقتربت فيها بشكل هائل من هذا الإنجاز، على سبيل المثال:
تُعزى أسباب هذا الغياب في إنجلترا إلى التقارب الكبير في المستويات الفنية، والقدرة العالية لأندية الوسط والقاع على إحداث مفاجآت مدوية خارج ديارها نظرًا للعوائد المالية الضخمة التي تضمن جودة لاعبين مقبولة لدى الجميع.
أما في الدوري الألماني، فإن المعادلة تختلف تمامًا من الناحية الرقمية والهيكلية، الدوري الألماني يتكون من 18 فريقًا فقط، مما يعني أن كل فريق يخوض 17 مباراة فقط على أرضه خلال الموسم وليس 19 مباراة.
ورغم أن نادي بايرن ميونخ حقق مواسم قريبة جدًا من العلامة الكاملة (مثل الفوز بـ 16 مباراة والتعادل في واحدة)، إلا أن الطبيعة الهيكلية للدوري تجعل مقارنته بنظام الـ 19 مباراة غير متكافئة من حيث المجهود البدني والذهني المطلوب للحفاظ على التركيز طوال مسافة أطول.
يوضح الجدول التالي المقارنة الرقمية الدقيقة بين ما حققته أندية الصفوة تاريخيًا في الملاعب الأوروبية، وما يوشك فريق برشلونة الحالي على تدوينه في السجلات الرسمية:
إن تحقيق برشلونة الفوز في المباراة التاسعة عشرة لا يأتي من قبيل الرفاهية الرقمية أو لمجرد استعراض القوة، بل يمنح النادي والمنظومة فوائد تكتيكية ونفسية هائلة تمتد آثارها للمواسم المقبلة:
هذا الجيل من لاعبي برشلونة دخل التاريخ من بابه الكبير كصاحب الموسم المثالي الأوحد في تاريخ إسبانيا الحديث، هانز فليك نجح في إعادة صياغة مفهوم القوة المحلية للبلوجرانا، سيبقى هذا الموسم شاهدًا على واحدة من أقوى النسخ المرعبة لبرشلونة داخل دياره عبر التاريخ.
العقلية الألمانية الصارمة المتغلغلة في غرف ملابس الفريق لا تفكر في الاحتمالات؛ الهدف كان واضح ومحدد، وهو الفوز ولا شيء غيره، لكتابة السطر الأخير في رواية الحصن المنيع وإعلان كتالونيا أرضًا لا تخسر أبدًا هذا الموسم.. وهو ما قد كان.
