حمل الهجوم الإيراني على إسرائيل، الذي جاء رداً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، رسائل متعددة تجاوزت البعد العسكري إلى محاولة طهران إعادة تثبيت لبنان باعتباره ورقة تستخدمها في مواجهتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، واستثمارها بالمفاوضات الجارية في إسلام آباد. وهو ما يطرح أسئلة عمّا إذا نجحت طهران باستعادة زمام المبادرة في هذا الملف وربط مستقبل الاستقرار في لبنان بمسارها التفاوضي، أم أن ما حصل سيعزز قرار الدولة بفصل الملفّ اللبناني عن إيران والمضي بالمفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية.
رجل على كرسي متحرك في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يعمل رجال الإنقاذ في موقع غارة إسرائيلية (رويترز)
وبينما تتباين الآراء حيال ما يمكن أن تسفر عنه المواجهة العسكرية المستجدة بين طهران وتل أبيب، رأى رئيس «لقاء سيّدة الجبل» النائب السابق فارس سعيد، أن لبنان «شهد منذ عام 1969 تعاقب قوى ومنظمات، وصولاً إلى جيوش احتلال، كان من أبرز أهدافها وضع اليد على القرار اللبناني والتفاوض باسمه، سواء مع إسرائيل أو الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية «حاولت أولاً انتزاع هذا القرار، ثم انتقل الأمر إلى النظام السوري بقيادة حافظ الأسد، قبل أن يصبح بعهدة إيران».
وأكد سعيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام «نجحت في استعادة هذه الورقة التفاوضية للمرة الأولى منذ عام 1969، وتحقق ذلك بدعم أميركي واضح، بعدما وجدت واشنطن مصلحة في فصل الملف اللبناني عن الإيراني ومنع طهران من التفاوض نيابة عن لبنان»، مشدداً على أن إيران «تحاول منذ صدور (إعلان واشنطن)، استعادة الورقة اللبنانية، عبر الإيحاء بأن المفاوضات القائمة مجرد مسرحية، وأن لبنان غير قادر على تحقيق مطالبه أو فرض انسحاب إسرائيل وعودة النازحين، وأنها وحدها القادرة على تحقيق ذلك، لكنها لن تنجح في ذلك».
ونشرت السفارة الإيرانية في بيروت، صورة على صفحاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر قبضتي يدّ متشابكتين، إحداها ملفوفة بالعلم اللبناني والأخرى بالعلم الإيراني، وتحتها عبارة باللغة العامية «دايماً حدكن» (إلى جانبكم). وهو ما استدعى مئات التعليقات بين مؤيد ورافض لما توحي به من تشابك للمصالح الإيراني اللبنانية. وتحدث سعيد عن «انقسام حاد في لبنان بين فريق يريد إبقاء لبنان مجرد ورقة بيد إيران، وفريق يسعى إلى تثبيت سلطة الدولة اللبنانية وحريّة قرارها». وقال: «الدولة متمسكة بالحفاظ على هذا الدور، فيما تحاول إيران انتزاعه مجدداً من خلال الدفع نحو إشعال الحرب في لبنان والاستفادة من قصف الضاحية الجنوبية لتأكيد أنها وحدها تملك مفاتيح الحل»، مشيراً إلى أن طهران «لن تنجح في استعادة القرار اللبناني أو فرض سيطرتها مجدداً على الساحة اللبنانية».
قد يهمك أيضًا: إيران تحذّر من حرب استنزاف… وترمب يتوقع نهاية وشيكة
وبدا لافتاً أن هذه التطورات تزامنت مع وجود قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في إسلام آباد، تلبية لدعوة من نظيره الباكستاني. وبينما تتحفّظ المؤسسة العسكرية عن الخوض في أبعاد هذه الزيارة وأهدافها، وتدعو إلى انتظار البيان الذي ستصدره قيادة الجيش بعد عودة العماد هيكل من إسلام آباد، أكد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة «تأتي استجابة لدعوة من قائد الجيش الباكستاني».
وأكد المصدر أن «برنامج الزيارة منسّق مسبقاً مع رئيس الجمهورية جوزف عون»، مشيراً إلى أن أهميتها «تكمن في أن باكستان تبدي استعدادها لتقديم المساعدات للجيش اللبناني في مرحلة انتشاره في الجنوب بعد الانسحاب الإسرائيلي». ولم يخف المصدر أنه «يمكن لإسلام آباد أن تشارك من خلال قوات دولية في الجنوب، لكونها تحظى بثقة الأميركيين والإيرانيين والإسرائيليين وحتى الدول العربية، وذلك من خلال قيادتها الحكيمة لدور الوساطة في عملية التفاوض بين واشنطن وطهران».
جنود من الجيش اللبناني يحملون نعش النقيب إيلي خوري الذي قُتل يوم السبت في غارة جوية إسرائيلية خلال موكب جنازته في كفر جراح جنوب لبنان (أ.ب)
وتتصاعد في لبنان المواقف الرافضة لاستخدام لبنان باعتباره ورقة إيرانية مجدداً، وقال نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب غسان حاصباني، في منشور له عبر منصّة «إكس»، إن إيران «تستخدم الساحة اللبنانية كونها ورقة للتصعيد بهدف تخفيف آثار الحصار وزيادة تكلفة على الولايات المتحدة. فلمدة 3 أشهر تُقدَّر تكلفة الحصار على إيران بنحو 30 مليار دولار مقابل 8 مليارات للولايات المتحدة، بينما قد ترتفع التكلفة خلال الفترة نفسها إلى نحو 100 مليار دولار لكل طرف إذا عادت الحرب»، مشيراً إلى طهران «تسعى لإعادة إشعال المواجهة بأي ذريعة للضغط على واشنطن، مستخدمة (حزب الله) للتصعيد».
من جهته، كتب عضو كتلة «الكتائب» النائب سليم الصايغ عبر منصة «إكس»، وسأل: «لماذا الآن توقيت الضربة الإيرانية، وبعدما وصلت إسرائيل إلى نهر الليطاني وتم تدمير كل شيء في الطريق إليه ولم تحرك إيران ساكناً». وقال: «ضربت إسرائيل الضاحية منذ أيام ولا رد إيرانياً»، مشيراً إلى إسرائيل «تتأهب للوصول إلى الزهراني وهي تثبت كل يوم انتصارها الواضح في الميدان». وأضاف: «في الدبلوماسية ينشط مسار واشنطن ويتم فك الارتباط الكامل مع طهران مما أفقدها صوابها وأفلتت العنان لإعلامها ضد رئيس لبنان». وأبدى الصايغ اعتقاده بأن إسرائيل «أخطأت بالهجوم (على الضاحية) كما أن إيران قد أخطأت بالرد، وأن حرب الصواريخ تعطل كل المسارات ولا تؤثر في الميدان، كما أنها تعيد الحلول إلى نقطة الصفر».

