يقول المحلل السياسي الكويتى طارق بورسلى ، إن ما نشهده في حرب إيران، ليس مجرد حرب إقليمية، بل هو اختبار حقيقي لمنظومة النظام الدولي برمته.
فالعالم انقسم بشكل غير مسبوق إلى معسكرات مخالفة للسردية الغربية، فيما ترفض دول كالهند والبرازيل وإندونيسيا أن تُوضع في خانة واحدة، الأمم المتحدة كشفت ضعفها المزمن مجددًا، وحق الفيتو بات في الوجدان الشعبي رمزًا للعجز لا للتوازن، و المكانة الأمريكية كوسيط نزيه في منطقتنا تراجعت بشكل لا يمكن إنكاره، ما فتح الباب لفاعلين جدد كالصين التي أبرمت اتفاقية السلام السعودية الإيرانية، وروسيا تحتفظ بنفوذها رغم كل شيء، الخريطة السياسية الجديدة تُكتب الآن بأقلام متعددة وليس بقلم واشنطن وحدها، وهذا في حد ذاته تحوّل جيوسياسي تاريخي لن تتضح تداعياته الكاملة إلا بعد سنوات.
وأضاف بورسلى لليوم السابع، أن إيران دخلت هذه الحرب التي بمثابة ” المعادلة “وهي تظن أنها تُحرك الأوراق، فوجدت الأوراق تحترق في يدها؛ فمنظومة الوكلاء التي بنتها على مدار عقود، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن إلى الفصائل في العراق وسوريا، تآكلت بشكل درامي، والضربات التي تلقّتها أفقدتها حلقات وصل استراتيجية لا تُعوَّض بسهولة.
والأكثر إيلامًا أن الحرب كشفت أن الورقة الأيديولوجية لم تعد تُقنع شعوبًا تعاني من الفقر والتضخم وغياب الحريات، فخسرت طهران رصيدها الناعم في الشارع العربي قبل أن تخسر حساباتها الاستراتيجية.
اقرأ ايضا: الملحق العالمي “مونديال 2026” على المحك… العراق يكافح لتأمين المشاركة
وعلى الصعيد الاقتصادى، العقوبات الغربية المشددة أنهكت الليرة الإيرانية وضربت الطبقة الوسطى في مقتل، فيما يتراجع الاحتياطي الأجنبي و الاستثمارات الأجنبية شبه معدومة. والأخطر أن إيران أنفقت على ملفات خارج حدودها ما كان يجب أن تنفقه على مواطنيها، فجاءتها الفاتورة مضاعفة.
وسلاسل التوريد العالمية أُصيبت بالهشاشة منذ جائحة كوفيد، ثم جاءت الحرب لتضرب في نفس الجرح. التأمين البحري في البحر الأحمر تضاعف وتكاليف الشحن ارتفعت بصورة أثّرت مباشرة على أسعار السلع للمستهلك في أوروبا وآسيا وإفريقيا. والتضخم الذي كانت البنوك المركزية تُحكم السيطرة عليه عاد يُطل برأسه مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة وتعطّل الممرات التجارية، والأشد إيلامًا أن الدول النامية تدفع دائمًا الفاتورة الأعلى في حروب لم تشعلها ولم تُخطط لها.
يرى “بورسلى” أن دول الخليج أدارت المشهد بحرفية لافتة وذكاء استراتيجي واضح. أوبك+ احتفظت بزمام قرار الإنتاج ولم تنجرف خلف الضغوط الغربية لرفع الإنتاج بصورة مفاجئة، والسعودية تحديدًا أثبتت أنها لاعب سيادي يحكم حساباته بمعادلة مصالح لا بمعادلة تحالفات عمياء. كما شهدت أسعار النفط تذبذبًا لكنها ظلت في نطاق يخدم موازنات الدول المنتجة، في حين رفعت شركات التأمين أقساطها بشكل حاد على ناقلات النفط نظرًا للمخاطر الأمنية المتصاعدة في المياه الإقليمية؛ غير أن المشاريع الكبرى كنيوم والاستثمارات الضخمة في الكويت والإمارات واصلت مسيرتها بثبات، مما يعكس إرادة خليجية واضحة في عزل المشاريع التنموية عن التوترات، وهو في حد ذاته رسالة سياسية واقتصادية بامتياز.
أضاف بورسلى أن هناك رابحون، وهذه الحقيقة المرة ينبغي ألا نتهرب منها، و أول الرابحين هم مصانع الأسلحة التي سجّلت أرباحًا خيالية، لأن الحروب بالنسبة لها ليست كارثة بل موسم حصاد.
وروسيا تستفيد من انشغال الغرب بجبهة أخرى عن أوكرانيا ، والصين تُعزز دورها الدبلوماسي وتوسّع نفوذها الاقتصادي في المنطقة بهدوء وروية، بعض دول الخليج حسّنت أوراق تفاوضها مع الغرب وانتزعت ضمانات أمنية واستثمارات متقدمة؛ لكن الحقيقة الكاملة أن الرابح الوحيد المشروع في أي حرب هو السلام الذي يأتي بعدها، وما عدا ذلك فهو ربح مبني على دماء، وهذا النوع من الأرباح لا يصمد طويلًا أمام حكم التاريخ.

