في خطوة غير تقليدية تمزج بشكل مثير بين الفخامة المطلقة والهدوء التام، استقر اختيار الاتحاد العراقي لكرة القدم على فندق ومنتجع “ذا جرينبرير” الفاخر في الولايات المتحدة الأمريكية ليكون مقرًا للمعسكر التدريبي المغلق لمنتخب العراق.
وتأتي هذه الخطوة في إطار التحضيرات المكثفة لأسود الرافدين قبل خوض غمار منافسات بطولة كأس العالم.
ولكن ما يجعل هذا الاختيار استثنائيًا ليس فقط المساحات الخضراء الممتدة أو الملاعب المجهزة بأحدث التقنيات الرياضية، بل التاريخ السري المذهل الذي ينام مباشرة تحت أقدام اللاعبين والجهاز الفني. فخلف الجدران الفارهة لهذا المنتجع يقبع أحد أكبر أسرار الدولة الأمريكية خلال القرن العشرين.
يعد فندق “ذا جرينبرير”، الواقع في عمق جبال ولاية فرجينيا الغربية، واحدًا من أعرق وأفخم الوجهات التاريخية في العالم.
يمتد هذا المنتجع العملاق على مساحات شاسعة تجعله يتفوق في حجمه على أكبر القصور الملكية العالمية بأكثر من الضعف.
وتمنح هذه المساحة الهائلة لاعبي المنتخب العراقي فرصة ذهبية للاستفادة من عزلة تامة والابتعاد الكامل عن صخب وسائل الإعلام وضغوط الجماهير، مما يوفر بيئة مثالية للتركيز الذهني وتطبيق الخطط الفنية.
رغم كل مظاهر الرفاهية والديكورات الكلاسيكية الأنيقة التي تميز الفندق، فإن السر الحقيقي يكمن في باطن الأرض.
فخلال أوج الحرب الباردة في نهاية خمسينيات القرن الماضي، وتحديدا في ظل المخاوف المتزايدة من اندلاع حرب نووية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، أبرمت الحكومة الأمريكية اتفاقا سريا للغاية مع إدارة الفندق.
قضى هذا الاتفاق بإنشاء مخبأ نووي عملاق وسري للغاية تحت الجناح الغربي للفندق، وأطلق على هذا المشروع العسكري التابع للدفاع الاستراتيجي اسم مشروع “الجزيرة اليونانية”.
لم يكن هذا المكان مجرد ملجأ عادي، بل تم تصميمه خصيصًا ليكون المقر البديل للحكومة الأمريكية بأكملها في حال تعرضت العاصمة واشنطن لهجوم مباغت.
اقرأ ايضا: أريد أن أكون حرًا.. سيبايوس يثير الجدل بشأن مستقبله مع ريال مدريد
صمم الملجأ ليتسع لجميع أعضاء الكونغرس الأمريكي بمجلسيه (الشيوخ والنواب) مع عائلاتهم ومساعديهم الأساسيين لضمان استمرارية الحكم.
وتم تزويد المخبأ ببوابات فولاذية هائلة تزن عدة أطنان، قادرة على تحمل الضغط الناتج عن الانفجارات الذرية ومنع تسرب الإشعاعات القاتلة.
واحتوى الموقع على غرف اجتماعات موسعة، وعيادات طبية متكاملة، وغرف عمليات لإدارة الأزمات، ومخازن ضخمة للمؤن والمواد الغذائية تكفي للعيش داخل الملجأ لعدة أشهر دون الحاجة للاتصال بالعالم الخارجي.
ظل هذا الملجأ النووي يعمل في خفاء تام وبأعلى درجات الجاهزية لأكثر من ثلاثة عقود. وكانت عمليات الصيانة وتحديث الأنظمة التقنية والطبية داخل الملجأ تجري بشكل دوري تحت غطاء أعمال الترميم والصيانة العادية التي يعلن عنها الفندق لزبائنه، دون أن يشعر أي من النزلاء أو حتى موظفي الفندق العاديين بوجود هذا الكيان العسكري الضخم تحت الأرض.
ولكن في عام 1992، تلقت السلطات الأمريكية صدمة كبرى عندما نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الشهيرة تحقيقًا مدويًا وموثقًا بالأدلة، كشفت فيه للعالم أجمع عن وجود هذا المخبأ السري وتفاصيل تصميمه وموقعه الدقيق تحت الفندق الفخم.
وبمجرد خروج السر إلى العلن وانتهاء ميزة السرية، قررت الحكومة الأمريكية إخراج الملجأ من الخدمة الرسمية وتفكيك معداته الحكومية، ليتحول لاحقا إلى مزار تاريخي وسياحي يجذب آلاف الزوار سنويًا لاستكشاف كواليس الحرب الباردة.
اليوم، يتجول نجوم المنتخب العراقي في ممرات هذا الفندق التاريخي العريق، مستلهمين من صلابة جدرانه وتاريخه الفريد طاقة إضافية تدعم تحضيراتهم للبطولة الكروية الأهم في العالم.
ويرى العديد من الخبراء الرياضيين أن اختيار هذا الموقع يمنح معسكر أسود الرافدين قيمة مضافة تتجاوز المفهوم التقليدي للمعسكرات الرياضية.
إن البعد الجغرافي للمنتجع عن المدن المزدحمة يضمن للاعبين استقرارًا نفسيًا وتركيزًا. كما أن التواجد في مكان يحمل هذا القدر الهائل من القصص والأسرار السياسية يكسر الروتين الممل للمعسكرات التدريبية المعتادة، ويضفي طابعًا حماسيًا يرفع من معنويات اللاعبين.
وفي الوقت الذي كان الهدف الأساسي من بناء فندق ومنتجع “ذا جرينبرير” في الماضي هو حماية الولايات المتحدة من الكوارث والتهديدات النووية، يبدو أن مهمته المعاصرة أصبحت رياضية بامتياز، وهي توفير الأجواء المثالية لمنتخب العراق من أجل تفجير طاقاتهم الكروية وتقديم مستويات مشرفة تليق بالكرة العراقية والعربية في محفل كأس العالم.
