تتجلى أسمى قيم الإنسانية والرعاية في المشاعر المقدسة من خلال منظومة صحية سعودية فريدة ترافق ضيوف الرحمن خطوة بخطوة، محيطة إياهم برعاية طبية شاملة، ومجانية بالكامل، ولا تفرق بين جنسية أو أخرى، وتضع كرامة الإنسان وصحته فوق كل اعتبار، وذلك ضمن منظومة من الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن لأداء النسك وسط أجواء إيمانية وروحانية مفعمة بالأمن، والطمأنينة.
وتبدأ هذه المرافقة الإنسانية من اللحظة الأولى لوصول الحاج إلى الأراضي السعودية، مروراً بحضوره في المشاعر المقدسة لأداء نسك الحج حيث تنتشر الفرق الإسعافية الراجلة، والمتطوعون في كل طرق المشاة، وبين الخيام، يحملون حقائبهم الطبية، ويجوبون الميدان سيراً على الأقدام، أو باستخدام الدراجات النارية الإسعافية، لتقديم العون الفوري، وضمان عدم ترك أي حاج وحيداً في مواجهة المرض، أو الإجهاد البدني الناتج عن الإعياء، أو حرارة الشمس.
سيارات الهلال الأحمر حضرت برفقة الحجاج خلال التصعيد إلى منى لقضاء يوم التروية (تصوير: بشير صالح)
وتجسد مروحيات الإسعاف الجوي التابع لـ«هيئة الهلال الأحمر السعودي» شرايين حياة معلقة في السماء، إذ تمثل الحل الاستراتيجي الأسرع، والأكثر كفاءة لكسر عامل الوقت، وتجاوز عقبة الحشود المليونية التي تملأ المشاعر المقدسة.
ويتجلى الدور الإنساني والعمل لهذا الأسطول في قدرته الفائقة على الاستجابة للبلاغات الطارئة في غضون دقائق معدودة، متخطياً الكثافات البشرية، والاختناقات المرورية على الأرض، لينقل الحالات الحرجة، والإصابات الشديدة من قلب الحدث مباشرة إلى مهابط المستشفيات المتخصصة في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة.
ولا يقتصر دور الإسعاف الجوي على النقل السريع فحسب، كما يقول المسعف الجوي الدكتور محمد العنزي في حديث خاص بـ«الشرق الأوسط»، بل يبرز كـ«غرفة عناية مركزة طائرة» مجهزة بأحدث التقنيات الطبية العالمية التي تتيح للأطباء والمسعفين الجويين البدء في إنعاش المريض، وتثبيت حالته الصحية، ومراقبة مؤشراته الحيوية أثناء التحليق.
سيارات الهلال الأحمر حضرت برفقة الحجاج خلال التصعيد إلى منى لقضاء يوم التروية (تصوير: بشير صالح)
ويوضح العنزي، الذي يحمل مؤهل أخصائي طبيب طوارئ، أن أبرز التجهيزات المتوفرة في «غرفة العناية الطائرة» تتمثل في جهاز الضغطات الصدرية الآلي، الذي تم اعتماده هذا الموسم لدعم الفرق الطبية في التعامل مع حالات توقف القلب، والتنفس، بما يضمن سرعة ودقة التدخل الإسعافي، وأجهزة التنفس الصناعي للأطفال، والخدج، والكبار، إلى جانب أجهزة العلامات الحيوية الحديثة التي تنقل المؤشرات الحيوية مباشرة وبشكل لحظي إلى غرفة العمليات، ما يتيح متابعة دقيقة وفورية للحالات أثناء النقل الجوي.
وأوضح أن الطائرة الإسعافية تضم كذلك حقيبة عناية مركزة متكاملة، فيما جُهزت بعض الطائرات كوحدات عناية مركزة طائرة قادرة على نقل حالتين من مرضى العناية المركزة في الوقت ذاته بين المنشآت الصحية، مع توفير جميع الأجهزة الطبية اللازمة داخل الطائرة.
وفي جانب الاستجابة للحالات الطائرة، أكد العنزي حرصهم على تحقيق زمن استجابة قياسي بحيث لا تتجاوز مدة تجهيز وإقلاع الطائرة 7 دقائق، وبلوغ موقع البلاغ خلال أقل من 10 دقائق، بما في ذلك مواقع ذات كثافة عالية، مثل منشأة الجمرات، ونقل الحالة إلى أقرب منشأة صحية في نحو 10 دقائق.
اقرأ ايضا: أكثر من 68 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين خلال شهر
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل في حديث مع المسعف الجوي محمد العنزي خلال زيارته لمهبط الطائرات المروحية (تصوير: بشير صالح)
من جهته، قال شايع مقبول، كابتن طيار رئيس عمليات التشغيل في «شركة الطائرات المروحية» لـ«الشرق الأوسط»، إن الطائرة الطبية هي الأفضل على مستوى العالم من حيث التجهيزات الإسعافية والإمكانات، مشيراً إلى أنها تضم أحدث التقنيات الطبية المصنعة عالمياً، في خطوة تعكس مستوى التطور والتحديث المستمر الذي تشهده الخدمات الصحية المقدمة لضيوف الرحمن خلال موسم الحج.
وأوضح أن الطائرة تتمتع بقدرات ملاحية متقدمة تتيح لها الهبوط في الأماكن الضيقة، وكذلك في المواقع غير المهيأة، أو غير المعبدة، بما يعزز سرعة الوصول إلى الحالات في مختلف المواقع داخل المشاعر المقدسة.
مشيراً إلى أن الطائرة الإسعافية تضم غرفة عمليات متكاملة، ووحدة متقدمة للإنعاش القلبي، بما يتيح تقديم الرعاية الطبية العاجلة للمريض أثناء عملية النقل، ويضمن استقرار حالته حتى وصوله إلى أقرب منشأة صحية.
وأشار إلى أن التجهيزات التي تمتلكها الطائرة تستهدف نقل المريض بأسرع وقت ممكن من نقطة الالتقاء أو موقع الحدث إلى المستشفى المناسب، مع سرعة استجابة لا تتجاوز 7 دقائق، بما يعزز كفاءة التدخل الطبي العاجل خلال موسم الحج.
وحشدت هيئة الهلال الأحمر السعودي 2771 من الكوادر الإسعافية، والمتطوعين الصحيين، إلى جانب 100 متطوع صحي مؤهل، ووفرت 70 نقطة إسعافية في نطاق العاصمة المقدسة، و75 نقطة في نطاق الحرم المكي، و178 نقطة في مشعر منى، إضافة إلى 203 نقاط إسعافية في عرفات، ومزدلفة. ويضم أسطول الهيئة أكثر من 900 آلية إسعافية متنوعة، تشمل 305 سيارات إسعاف، و20 مركبة تدخل سريع (عبية) لدعم الوصول المبكر، وبدء الإجراءات العلاجية، و119 عربة قولف، و23 دراجة نارية للوصول السريع عبر المواقع المزدحمة، و155 سكوتراً، و200 كرسي إسعافي كهربائي (رفيدة)، إضافة إلى 80 دراجة هوائية، و7 طائرات إسعافية.
ولا تقف الرعاية عند حدود الإنقاذ الميداني، بل تمتد لتشمل تسخير وزارة الصحة السعودية التقنيات الذكية، مثل «مستشفى الصحة الافتراضي»، والتطبيقات الرقمية التي تتيح للحاج طلب الاستغاثة الطبية بضغطة زر، وتحديد موقعه بدقة دون الحاجة للتحدث باللغة العربية.
تدخل دقيق في الوقت الحرج لإنقاذ بصر حاج مصري وحاجة مغربية من فقدان دائم وتمكّنهما من استكمال الحج (مدينة الملك عبد الله الطبية)
وفي داخل المستشفيات، تُفتح أبواب غرف العمليات المعقدة لإنقاذ الأرواح عبر جراحات القلب المفتوح، والقسطرة التخصصية، وجلسات غسيل الكلى، وتقدم جميعها كخدمة إنسانية مجانية مدفوعة بالواجب الديني والوطني، لتظل الرعاية الطبية السعودية دائماً بمثابة الصديق الوفي، والمرافق الحاني الذي يحيط بالحاج حتى يعود إلى أهله سالماً معافى.
وتراعي السعودية الظروف الصحية للحجاج الذين داهمهم المرض الشديد قبل أداء المناسك وأُدخلوا المستشفيات، حيث تطلق وزارة الصحة سنوياً مبادرة «قافلة الحج الطبية»؛ وهي منظومة إسعافية متكاملة تتحرك كجسد واحد لتنقل هؤلاء المرضى وهم على أسرتهم البيضاء، تملؤهم دموع الفرح، ليقفوا في مشعر عرفات، ويستكملوا ركن حجهم الأكبر برفقة أطباء وممرضين يلازمونهم ثانية بثانية.

