في طبيعة الصراعات الحديثة، لم تعد المواجهة تقتصر على الميدان أو الأدوات التقليدية، بل أصبحت معركة العقول والوعي واحدة من أخطر ساحات الصراع، حيث يتم استهداف الإنسان من الداخل، عبر أفكاره وقناعاته، قبل أي محاولة للتأثير على سلوكه. هذا التحول أدركته الجماعات المتطرفة، فعملت على تطوير أدواتها بما يتناسب مع هذا النمط الجديد من الحروب، وهو ما يتجسد بوضوح في نموذج ما يُعرف بـ”حركة ميدان”.
هذا النموذج لم يركز فقط على استقطاب عناصر جديدة أو دعم العمل الميداني، بل اتجه نحو هدف أكثر عمقًا وتأثيرًا، وهو إعادة تشكيل وعي قطاعات من الشباب، خاصة أولئك الذين يقفون خارج الأطر التنظيمية التقليدية، ويتم ذلك من خلال محتوى رقمي مدروس، يستهدف إثارة التساؤلات، وزرع الشكوك، وإعادة طرح قضايا أساسية مثل الدولة، والشرعية، والعدالة، ولكن من زوايا مغايرة تسهم في إحداث حالة من الارتباك الفكري.
ووفقًا لما كشفته اعترافات الإرهابي المقبوض عليه علي عبد الونيس، فإن هذه العملية لم تكن عشوائية أو تلقائية، بل تمت وفق خطة ممنهجة تعتمد على التدرج في التأثير، حيث يتم الانتقال بالمستهدف من مرحلة إلى أخرى، بدءًا من التفاعل السطحي مع المحتوى، وصولًا إلى تبني قناعات أكثر تطرفًا، دون أن يشعر بوجود توجيه مباشر أو ضغط واضح.
تصفح أيضًا: الشعب الجمهورى: السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية تفسح المجال أمام القطاع الخاص
في هذا السياق، لعب البودكاست دورًا محوريًا، باعتباره أداة قادرة على تقديم محتوى مطوّل وعميق، يتيح بناء سرديات متكاملة تتسلل إلى عقل المتلقي تدريجيًا، هذه الحلقات لم تكن مجرد نقاشات عابرة، بل كانت جزءًا من عملية “هندسة فكرية”، تهدف إلى إعادة تفسير الواقع، وتقديم قراءات بديلة للأحداث، بما يخدم الأهداف الاستراتيجية للتنظيم.
كما أن استخدام لغة عصرية كان عنصرًا أساسيًا في هذه الاستراتيجية، حيث تم التخلي عن الخطاب التقليدي المباشر، واستبداله بأسلوب يتناسب مع طبيعة الجمهور المستهدف، خاصة فئة الشباب الأكثر تفاعلًا مع المنصات الرقمية، وهذه اللغة لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل أداة لكسر الحواجز النفسية، وتقليل الشعور بالاغتراب تجاه المحتوى، ما يزيد من فرص تقبّله والتفاعل معه.
الأخطر في هذه الآلية أنها لا تستهدف تغيير المواقف بشكل فوري، بل تعتمد على التراكم، حيث يتم بناء القناعات تدريجيًا من خلال التعرض المستمر لنفس الرسائل، وإن اختلفت طرق تقديمها، ومع الوقت، تتحول هذه الرسائل إلى قناعات راسخة، يصعب تفكيكها، لأنها لم تُفرض بشكل مباشر، بل تشكّلت داخل عقل المتلقي بصورة ذاتية.
“ميدان” في هذا الإطار لم تكن مجرد منصة إعلامية، بل أداة متكاملة لإدارة معركة الوعي، التي تسبق أي تحرك على الأرض، وتحدد إلى حد كبير مدى تقبّل المجتمع للأفكار التي يتم طرحها لاحقًا، فبدلًا من المواجهة المباشرة، يتم أولًا تهيئة البيئة النفسية والفكرية، بحيث تصبح أكثر استعدادًا لتقبل العنف، أو على الأقل أقل رفضًا له.
كما أظهرت الاعترافات أن هذه الاستراتيجية كانت تستهدف بشكل خاص الشباب الذين يمتلكون مهارات تقنية أو قدرات تحليلية، بهدف تحويلهم إلى عناصر فاعلة في نشر هذا المحتوى، سواء من خلال إعادة إنتاجه أو التفاعل معه، ما يوسع دائرة التأثير بشكل كبير، ويمنح هذه الأفكار انتشارًا يصعب السيطرة عليه.
