وسط زمن تهيمن فيه الشاشات على تفاصيل حياتنا اليومية، وتزداد فيه مشاعر العزلة رغم كثرة وسائل التواصل، يبحث كثيرون عن طرق بسيطة وفعّالة لاستعادة التوازن النفسي وتعزيز الروابط الإنسانية. ومن بين هذه الوسائل، تعود ألعاب الطاولة لتفرض نفسها بوصفها خياراً ممتعاً وذا أثر عميق، لا يقتصر على الترفيه فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين الصحة النفسية وتقوية العلاقات الاجتماعية.
وقد أكد باحثون في جامعة بليموث البريطانية مؤخراً ما يعرفه عشاق ألعاب الطاولة (Board Games) منذ عقود، وهو أن هذه الألعاب «تعزز الصحة النفسية، وتدعم الاندماج، وتساند التعلم، مع وجود أدلة قوية على أنها تُحسّن التفاعل الاجتماعي»، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».
وقد ركّز الباحثون بشكل خاص على كيفية استفادة الأشخاص الذين تظهر لديهم سمات التوحد من ألعاب الطاولة، غير أن فوائد هذه الألعاب لا تقتصر على فئة محددة، بل تمتد لتشمل الجميع، لما توفره من دعم اجتماعي يعزز الصحة النفسية.
وبالنسبة للأشخاص الذين يقضون أوقات فراغهم مع النرد ذي العشرين وجهاً، أو الذين يمتلكون مجموعات مميزة من مجسّمات «الميبل»، فإنهم يعيشون بالفعل ما يمكن وصفه بـ«العصر الذهبي» لألعاب الطاولة. ومع ذلك، قد يبدو هذا النجاح مفاجئاً للبعض في ظل الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية.
ففي عام 2025، بلغت قيمة سوق ألعاب الطاولة وأوراق اللعب عالمياً نحو 20 مليار دولار أميركي، ومن المتوقع أن تصل إلى 32 مليار دولار بحلول عام 2030. وغالباً ما يُعزى هذا النمو إلى جائحة «كوفيد – 19»، إلا أن اللافت أن السوق واصلت توسعها حتى بعد انتهاء إجراءات التباعد الاجتماعي.
نوصي بقراءة: شرب القهوة والشاي مع الماء خلال اليوم.. وصفة للعيش لفترة أطول
كما أسهمت حركة «الابتعاد عن التكنولوجيا» في تعزيز الاهتمام بألعاب الطاولة، غير أن تأثيرها يتجاوز مجرد الابتعاد عن الشاشات؛ إذ تمتلك هذه الألعاب قدرة حقيقية على دعم الصحة العامة والرفاه النفسي، إضافة إلى دورها في بناء مجتمعات أكثر ترابطاً.
أظهرت الدراسات التي أُجريت خلال جائحة «كوفيد – 19» أن ألعاب الطاولة ساعدت في التخفيف من التوتر ومشاعر العزلة والقلق. كما تشير الأبحاث إلى أنها تسهم في تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية، وتعزيز العلاقات، والمساعدة في بناء مجتمعات أكثر تماسكاً.
وفي جامعة ولاية كانساس، يُستخدم برنامج «الترابط من خلال ألعاب الطاولة» أداة لدعم تنمية المهارات الشخصية، مثل ضبط النفس، وتعزيز مفهوم الذات الإيجابي، وتطوير مهارات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تحسين الوظائف التنفيذية.
وتُبرز مثل هذه البرامج قدرة ألعاب الطاولة على تحسين جودة العلاقات الاجتماعية، التي تُعد عنصراً أساسياً في الصحة والعافية. إذ تُظهر الأبحاث أن الروابط الاجتماعية الهادفة والمستقرة لا تدعم فقط الصحة النفسية والعاطفية، بل تؤثر أيضاً في القدرات المعرفية، وتنعكس بدورها على الدوافع والسلوكيات.
وفي هذا السياق، يزداد الإدراك بأن ألعاب الطاولة لا تقتصر على الترفيه، بل تُسهم في بناء مجتمعات نابضة بالحياة. وتوضح أندريا روبرتسون، الشريكة في ملكية متجر «رين سيتي جيمز» في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا، أنها لاحظت ارتفاعاً ملحوظاً في الإقبال على فعاليات المتجر خلال السنوات الأخيرة؛ إذ ارتفعت مبيعات التذاكر السنوية من نحو 8500 تذكرة في عام 2024 إلى أكثر من 9100 تذكرة في عام 2025.
وتقول: «نجد أن متجرنا يُمثل مساحة مشتركة لكثير من زبائننا. ونأمل أن تُسهم فعالياتنا في الحد من الشعور المتنامي بالوحدة والعزلة بين الشباب، من خلال توفير وسيلة للتفاعل بعيداً عن الشاشات والخوارزميات».
