يصادف ، السبت 13 سبتمبر 2025، الذكرى الثانية والثلاثين لتوقيع اتفاقية أوسلو، تلك اللحظة التاريخية التي حملت للعالم أملاً عريضاً بإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، لم تعد ذكرى “أوسلو” مجرد رمز لسلام مُجهَض، بل أصبحت مقدمة تاريخية لمسار طويل من تآكل الحقوق الفلسطينية، بلغ ذروته في حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.
وفي خضم هذا الواقع المأساوي، يحاول العالم اليوم تدارك الانهيار الكامل عبر زخم دولي جديد، تُوج بـ “إعلان نيويورك” في الأمم المتحدة، فهل تنجح الدبلوماسية الدولية فيما فشلت فيه “أوسلو”؟
وُلدت الاتفاقية من رحم مفاوضات سرية بدأت في لندن في ديسمبر 1992 بين المفاوض الفلسطيني أحمد قريع (أبو علاء) والأكاديمي يائير هيرشفيلد، قبل أن تنتقل إلى أوسلو بوساطة نرويجية.
وبعيداً عن الأضواء، ووسط تعثر مفاوضات واشنطن الرسمية، قاد شيمعون بيريز من جانب الاحتلال، وياسر عرفات ومحمود عباس من الجانب الفلسطيني، مساراً أفضى إلى “إعلان المبادئ” الذي نص على: اعتراف متبادل، وإنشاء سلطة فلسطينية ذات حكم ذاتي مؤقت، وتأجيل قضايا الوضع النهائي (القدس، المستوطنات، اللاجئون، الحدود) لمفاوضات لاحقة.
لم تكن أوسلو اتفاقية نهائية، بل تبعتها سلسلة من الاتفاقيات المرحلية التي كشفت عن عمق الخلافات وصعوبة التنفيذ:
اتفاقية أوسلو 2 (طابا 1995): قسمت الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج)، مما كرّس سيطرة الاحتلال الأمنية والإدارية على أكثر من 60% من أراضي الضفة (مناطق ج) وفتح الباب أمام توسع استيطاني هائل.
مذكرة واي ريفر (1998): برعاية أمريكية، هدفت المذكرة إلى تنفيذ إعادة انتشار لقوات الاحتلال مقابل إجراءات أمنية من السلطة الفلسطينية. لكن رئيس وزراء الاحتلال آنذاك، بنيامين نتنياهو، جمّد تنفيذ معظم بنودها.
مذكرة شرم الشيخ (1999): كانت محاولة من رئيس الوزراء الجديد، إيهود باراك، لإحياء “واي ريفر”.
تم تحقيق بعض التقدم المحدود كالإفراج عن عدد من الأسرى، لكنها فشلت في فتح ملفات الوضع النهائي بشكل جدي.
انهارت الآمال بشكل دراماتيكي مع فشل قمة كامب ديفيد عام 2000، التي لم تقدم فيها قيادة الاحتلال ما يمكن اعتباره أساساً لدولة فلسطينية قابلة للحياة.
تصفح أيضًا: استهداف الأبراج السكنية يتصاعد.. داخلية غزة وحماس تتهمان إسرائيل بـ “خداع الرأي العام”
وفي أعقاب ذلك، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) رداً على استمرار الاحتلال وزيارة أرييل شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى.
جاء الرد العسكري للاحتلال عنيفاً ومدوياً في عملية “السور الواقي” عام 2002، التي شهدت إعادة اجتياح كامل لمدن الضفة الغربية، وتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية، وحصار الزعيم الراحل ياسر عرفات في مقره برام الله.
لم تكن “السور الواقي” مجرد عملية عسكرية، بل كانت بمثابة إعلان وفاة رسمي للجانب العملي من اتفاق أوسلو، وتدمير ممنهج لأي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية التي وعدت بها.
ظل الصراع خلال العقدين التاليين في حالة جمود سياسي وحروب متقطعة على غزة. لكن هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي نفذته كتائب القسام، شكّل نقطة تحول زلزالية.
وردّ كيان الاحتلال بشن حرب إبادة جماعية غير مسبوقة على قطاع غزة، خلفت حتى اليوم أكثر من 226 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، ومجاعة ودماراً شاملاً، في انتهاك صارخ لجميع القوانين الدولية.
هذه الحرب لم تدفن فقط بقايا اتفاق أوسلو، بل كشفت للعالم أجمع حقيقة فشل “حل الدولتين” في ظل استمرار الاحتلال وسياساته.
أمام هول الكارثة في غزة، بدأ زخم دولي جديد يتشكل، مدفوعاً بضغوط شعبية عالمية. هذا الحراك يستند إلى الإطار القانوني الذي أرسته الأمم المتحدة على مدى عقود، والذي يشمل قرارات أساسية مثل:
قرار التقسيم 181 (1947) وقرار حق العودة 194 (1948).
قراري مجلس الأمن 242 (1967) و338 (1973) الداعيين للانسحاب من الأراضي المحتلة.
قرار الجمعية العامة 3236 (1974) الذي أقر بحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
قرار مجلس الأمن 2334 (2016) الذي أدان الاستيطان واعتبره غير شرعي.
وتُوج هذا الزخم بإصدار “إعلان نيويورك” من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يطالب بخطوات ملموسة ومحددة زمنياً ولا رجعة فيها نحو حل الدولتين، ويمثل أحدث محاولة دولية لفرض حل سياسي عادل، بعد 32 عاماً من الآمال التي وُلدت وماتت مع اتفاق أوسلو.
