خطت الحكومة الجزائرية خطوة جديدة في مشروع «إسقاط الجنسية»، الذي أطلقته مطلع العام الحالي، بموجب تعديل تشريعي ينص على التجريد منها لكل من تثبت ضده تهمة «الخيانة»، أو «العمالة لصالح قوى معادية»؛ وهو إجراء بدا للأوساط السياسية والإعلامية أنه فُصِّل على مقاس معارضين في الخارج، باتوا مزعجين لكبار المسؤولين في الدولة.
وزير العدل أثناء عرض تعديل قانون الجنسية على النواب (البرلمان)
وصدر في آخر عدد من الجريدة الرسمية بالجزائر مرسوم تنفيذي يحدد تشكيلة تنظيم وسير «لجنة خاصة» مكلفة بدراسة ملفات التجريد من الجنسية. ويضبط النص بوضوح الجهات صاحبة القرار والإجراءات المتبعة في هذا الشأن.
وتؤدي هذه «اللجنة» دوراً محورياً في مسار إسقاط الجنسية؛ حيث تنص المادة 2 من المرسوم، الذي وقَّعه الوزير الأول سيفي غريب، على أن «اللجنة تُكلف بدراسة ملفات التجريد من الجنسية الجزائرية، سواء كانت أصلية أو مكتسبة». كما توضح المادة 3 منه أن التجريد من الجنسية الجزائرية «لا يمكن أن يتم إلا بعد إخطار الشخص المعني، وتمكينه من تقديم ملاحظاته المكتوبة».
تُعقَد «اللجنة»، وفق النص التشريعي، برئاسة الوزير الأول، وتتكون من وزراء الشؤون الخارجية والداخلية والعدل، ورئيس «غرفة» (قاضٍ) بالمحكمة العليا، وممثلين عن رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع، وقائد الدرك الوطني، بالإضافة إلى المدير العام للشرطة، والمدير العام للأمن الداخلي، والمدير العام للوثائق والأمن الخارجي، والمدير المركزي لأمن الجيش بوزارة الدفاع.
البرلماني هشام صفر صاحب مقترح تعديل قانون الجنسية (البرلمان)
وتنص المادة 8 على أن الإخطار بخصوص سحب الجنسية يُرفع إلى هذه اللجنة «حصراً» من طرف وزير الدفاع الذي هو رئيس الجمهورية، حسب الدستور، ووزير الشؤون الخارجية، ووزير الداخلية، أو وزير العدل.
وجاء في النص أنه يتعين على سلطة الإخطار إعداد تقرير «مسبَّب» يوضح دواعي مقترح إسقاط الجنسية الجزائرية عن الشخص المعني، مرفقاً بالوثائق الإثباتية ذات الصلة، على أن يتضمن التقرير الهوية الدقيقة للشخص المعني، والجنسية المقترح إسقاطها، والقرائن الخطيرة والمتطابقة التي تبرر التجريد من الجنسية والأساس القانوني لها، ومكان إقامة المعني، وأماكن ارتكاب الأفعال المنسوبة إليه.
وتعود خلفية هذه الخطوة الإجرائية المتعلقة بإسقاط الجنسية إلى المقترح الذي تقدم به النائب هشام صفر، الممثل لـ«الأغلبية الرئاسية» بالبرلمان في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 لتعديل قانون الجنسية؛ حيث استند في مبادرته إلى تصريحات مثيرة للجدل للرئيس عبد المجيد تبون، دعا فيها الجزائريين إلى التكاتف ضد من وصفهم بـ«خونة الدار»، في إشارة واضحة آنذاك إلى الروائي الفرنسي- الجزائري بوعلام صنصال.
نوصي بقراءة: وزير الخارجية البريطاني يؤكد ضرورة وقف فوري لعمليات الاحتلال العسكرية في مدينة غزة
وكان صنصال قد واجه حكماً قضائياً بالسجن لمدة 7 سنوات، إثر إدانته بتهمة «المس بالوحدة الوطنية»، قبل أن يستفيد من عفو رئاسي خاص أسفر عن الإفراج عنه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعد قضائه عاماً كاملاً وراء القضبان.
الكاتب بوعلام صنصال (حسابات ناشطين تعاطفوا معه)
وجرَّ صنصال على نفسه غضب السلطات عندما صرَّح لمنصة إخبارية تتبنى أفكار اليمين الفرنسي المتطرف، بأن «أجزاء واسعة من مدن غرب الجزائر تابعة تاريخياً للمغرب».
وربط مراقبون توقيت طرح هذا التعديل الحساس بخطوة أخرى، شكَّلت مصدر قلق بالغ لصانع القرار في الجزائر، وتمثلت في إعلان «حركة تقرير مصير منطقة القبائل» (ماك) من باريس، عن قيام ما وصفته بـ«دولة القبائل المستقلة». وهذا التحرك الذي قاده زعيم التنظيم فرحات مهني، اللاجئ سياسياً في فرنسا برفقة مئات من ناشطيه، حوَّل ملف «تجريد الجنسية» من مجرد مقترح تشريعي إلى أداة سياسية وقانونية مباشرة لمجابهة الأطروحات الانفصالية المدارة من وراء البحار.
رئيس «ماك» فرحات مهني مستهدف بخطوة سحب الجنسية الجزائرية (ناشطون)
واللافت أن هذه الإجراءات الحازمة اتصلت بمناخ التوتر الذي ألقى بظلاله، ولا يزال، على علاقات الجزائر الإقليمية، لا سيما مع جاريها المغرب ومالي، وكذا مع شركاء دوليين رئيسيين في مقدمتهم فرنسا.
وحدد «قانون إسقاط الجنسية» الذي صادق عليه البرلمان مطلع العام، 6 حالات تُعَرِّض الجزائري لسحب الجنسية، حتى إن لم يكن يحمل جنسية أخرى، وهي: «المساس بالمصالح العليا»، و«العداء والولاء الخارجي»، و«التربح والعمالة»، و«دعم القوى الأجنبية»، و«الإرهاب والتخريب»، و«الجرائم الأمنية الكبرى».
وأثار هذا القانون انقساماً واضحاً في البلاد؛ فبينما أيَّدته الأحزاب الموالية للسلطة، وعدَّته «خطوة استباقية لحماية الأمن القومي، ومواجهة حروب الجيل الرابع والمنصات الخارجية، أبدت أحزاب المعارضة تخوفاً كبيراً من غموض المصطلحات القانونية وإمكانية استغلالها سياسياً لاستهداف المعارضين، وسلب حقوق مواطنتهم.
معارضون يُعتقَد أنهم مستهدفون بآليات إسقاط الجنسية (حسابات ناشطين)
ومن جانبها، حذَّرت منظمات حقوقية والمجتمع المدني من الطابع العقابي لهذه التشريعات، منبهة إلى خطورة تبعاتها التي قد تترك بعض المواطنين في حالة «انعدام الجنسية»، مؤكدة أنه لا يحق لأي مسؤول، مهما بلغت سلطته، تجريد أي مواطن جزائري من جنسيته تحت أي ذريعة كانت.
