كشفت دراستان جينوميتان حديثتان عن صورة أكثر تعقيداً ودقة لداء السكري من النوع الثاني لدى سكان القارة الأفريقية، مؤكِّدتين أن الاعتماد على نماذج تشخيصية وعلاجية مطوَّرة في سياقات سكانية محدودة لم يعد كافياً. وتُبرز النتائج الدور الحاسم للتنوُّع الجيني الأفريقي في فهم آليات المرض، وتشير إلى آفاق جديدة لطب دقيق أكثر عدالة وفعالية.
*أوسع تحليل يربط بين بروتينات الدم والاختلافات الجينية لدى أفراد من أفريقيا*
الدراسة الأولى التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 8 يناير (كانون الثاني) 2026 قدَّمت أوسع تحليل حتى اليوم يربط بين بروتينات الدم والاختلافات الجينية لدى أفراد من أفريقيا القارية، وقادها باحثون من معهد «هيلمهولتز» في ميونيخ، بالتعاون مع جامعة «كوين ماري» في لندن، والجامعة التقنية في ميونيخ، إلى جانب مجلس البحوث الطبية ومعهد بحوث فيروس أوغندا، ووحدة بحوث أوغندا التابعة لكلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة.
وتعالج هذه الدراسة فجوة تاريخية في البحوث الطبية العالمية؛ حيث ظلَّت المجتمعات الأفريقية ممثَّلة تمثيلاً محدوداً في الدراسات الجينية واسعة النطاق.
ويُعدُّ السكري من النوع الثاني تحدياً صحياً متزايداً في أفريقيا جنوب الصحراء؛ لكنه غالباً ما يُشخَّص تشخيصاً ناقصاً أو غير دقيق. ويعود ذلك جزئياً إلى أن مؤشرات التشخيص الشائعة مثل الهيموغلوبين السكري (HbA1c) طُوِّرت اعتماداً على دراسات أُجريت على سكان من أصول أوروبية. وقد تكون أقل دقة لدى السكان الأفارقة بسبب الاختلافات الجينية والبيولوجية. وحتى وقت قريب كان النقص الحاد في الدراسات الجينية والبروتينية داخل أفريقيا يحدُّ من تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية ملائمة لهذه المجتمعات.
واعتمد الباحثون برئاسة الدكتور أوبييمي سوريميكون (الباحث الأول في الدراسة من معهد علم الجينوم الانتقالي، وزميل بحوث سابق في معهد «هيلمهولتز» بميونيخ) في هذه الدراسة على دمج البيانات الجينومية مع بيانات البروتينات البلازمية لعينة من أوغندا، ما أتاح رسم خريطة لنحو 400 منطقة جينية تتحكم في مستويات البروتينات في الدم، من بينها 58 منطقة لم تكن معروفة سابقاً لدى أفراد من أصول أفريقية. كما حدد الفريق 18 بروتيناً يُحتمل أن يكون لها دور سببي مباشر في الإصابة بالسكري من النوع الثاني. ويجري استهداف بعض هذه البروتينات بالفعل بأدوية متوفرة، ما يفتح المجال لتحسين أو إعادة توظيف علاجات قائمة بما يتناسب مع الخصائص البيولوجية للسكان الأفارقة.
اقرأ ايضا: التدخل المبكر يساعد الأطفال المصابين بالتوحد على تحسين النطق
ولوحظ أن عدداً من البروتينات، مثل «أبوليبوبروتين إف» (apolipoprotein F) وإنزيم «ليبوبروتين ليباز» (lipoprotein lipase) أظهرت أنماطاً مميَّزة لدى المشاركين الأوغنديين لم تُسجَّل لدى الأوروبيين، وهو ما يؤكد أهمية البحوث المصممة خصيصاً لكل مجموعة سكانية. ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج لا تعمِّق فهم بيولوجيا السكري فحسب؛ بل توفِّر أيضاً أساساً عملياً لتطوير مؤشرات حيوية جديدة وتشخيص أكثر دقة.
*السكري من النوع الثاني ليس مرضاً ذا مسار بيولوجي واحد بل يختلف من مجتمع إلى آخر*
وتتكامل هذه النتائج مع دراسة جينومية سابقة نُشرت في مجلة «Diabetologia» بتاريخ 1 مارس (آذار) 2025، بقيادة فيفيان شيبي (باحثة في المعلوماتية الحيوية في معهد سيدني برينر للعلوم البيولوجية الجزيئية، جامعة ويتواتر سراند، جنوب أفريقيا) ركَّزت على سمات مستوى السكر في الدم لدى سكان القارة الأفريقية، من خلال دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS). فقد تناولت الدراسة 4 سمات رئيسية مرتبطة بخطر السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأيض، هي: مستوى الغلوكوز في الدم خلال الصيام، ومستوى الإنسولين خلال الصيام، ومقاومة الإنسولين (HOMA-IR)، ووظيفة خلايا «بيتا» في البنكرياس (HOMA-B)، وتُعد هذه السمات الأربع متغيرات كمية محورية في تحديد الاستعداد للإصابة بالمرض.
ورغم أن دراسات الارتباط الجيني السابقة حدَّدت مئات المتغيرات المرتبطة بهذه السمات، فإن القليل جداً منها شمل سكان القارة الأفريقية. وقد أظهرت هذه الدراسة أن تكرار الإشارات الجينية المعروفة كان محدوداً، ما يشير إلى وجود بنية وراثية مميَّزة لسمات مستوى السكر في الدم لدى السكان الأفارقة. ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من الأساس الجيني للسكري قد لا يكون ممثَّلاً في النماذج العالمية الحالية.
وتؤكد النتائج أن السكري من النوع الثاني ليس مرضاً ذا مسار بيولوجي واحد؛ بل نتيجة تفاعل معقَّد بين الجينات والبروتينات والبيئة يختلف من مجتمع إلى آخر. كما تبرز النتائج الحاجة الملحَّة إلى توسيع البحوث الجينومية والبروتينية في أفريقيا، بما يعكس تنوُّعها الجيني والثقافي والغذائي والبيئي.
ويخطط الباحثون لتوسيع نطاق هذه الدراسات، لتشمل مجموعات سكانية أفريقية إضافية، على أمل تطوير مؤشرات تشخيصية واستراتيجيات علاجية أكثر تمثيلاً وفاعلية. ومن خلال احتضان التنوع الجيني في البحث العلمي تقترب الرعاية الصحية خطوة إضافية نحو طب دقيق يخدم الجميع بعدالة، ويمنح ملايين الأشخاص فرصاً أفضل للوقاية والتشخيص والعلاج المبكر.

