في كرة القدم، قد تُحدد لحظة واحدة، أو قرار واحد، مسار مسيرة كروية بأكملها. في عام 2011، وقف الموهوب ستيفان الشعراوي، الملقب بـ “الفرعون”، أمام مفترق طرق تاريخي؛ نداء القلب والأصول من منتخب مصر، ونداء المجد الأوروبي من منتخب إيطاليا.
اختار ستيفان قميص إيطاليا، باحثاً عن كتابة التاريخ في كؤوس العالم، في ظل عدم تأهل مصر للمونديال منذ عام 1990، لكن ما حدث بعد ذلك كان أشبه بـ “دراما إغريقية” قاسية، تحولت فيها أحلام المونديال إلى سراب مستمر.
بينما كان الفرعون يمني النفس بقيادة هجوم إيطاليا في أكبر المحافل، دارت عجلة الزمن لتكتب سيناريو لم يتوقعه أشد المتشائمين في روما، ولا أشد المتفائلين في القاهرة.
منتخب إيطاليا، بطل العالم 4 مرات، يغيب عن المونديال لثلاث نسخ متتالية (2018، 2022، و2026)، في حين نجح منتخب مصر في كسر عقدته وبلوغ مونديال روسيا 2018، وعاد ليحجز مقعده في مونديال 2026 بأمريكا وكندا والمكسيك.
هذه المفارقة لم تحرم الشعراوي من كأس العالم فحسب، بل حرمته وحرمت الجماهير المصرية من “شراكة أحلام” هجومية مع محمد صلاح في المنتخب الوطني، خاصة بعد أن أثبتا تفاهماً كبيراً وانسجاماً رائعاً عندما لعبا سوياً بقميص نادي روما الإيطالي.
في 2014، في الوقت الذي صعدت فيه إيطاليا للبطولة، كان الشعراوي يعيش فترة تألق. لكن الصحف الإيطالية، لكن لقد غاب ستيفان عن المونديال بسبب إصابة قاسية في مشط القدم مع ميلان، ليُحرم من ظهوره المونديالي الأول والوحيد الممكن.
جيل 2018 “الجيل الضائع”. كان الشعراوي حاضراً في التشكيلة، وشارك كبديل في موقعة الإياب الكارثية ضد السويد في الملحق على ملعب سان سيرو، لكن انتهت المباراة بالتعادل السلبي، وبكى الشعراوي مع زملائه حسرة الغياب الأول لإيطاليا عن المونديال منذ 60 عاماً.
نوصي بقراءة: كاريك ليس سولشاير في مانشستر يونايتد.. مايكل ينتظر العقد على الطاولة
مع تراجع مستواه وتذبذب مشاركاته، أشارت شبكة Sky Sport Italia إلى أن روبرتو مانشيني همّش دور الشعراوي تدريجياً. لم يكن ضمن الأعمدة الرئيسية في صدمة الخروج أمام مقدونيا الشمالية في الملحق، حيث اكتفى بمشاهدة الكارثة الثانية تتكشف من بعيد.
نهاية الحلم في 2026، والشعراوي يشاهد من المنزل: مع تكرار الفشل الإيطالي التاريخي بالغياب للمرة الثالثة توالياً، أصبح اسم الشعراوي خارج الحسابات تماماً. الصحافة الإيطالية اليوم لم تعد تذكره كمنقذ، بل كجزء من ماضٍ لم يكتمل، حتى أنه أصبح بديلًا في روما.
اليوم، وفي سن الـ 33 عاماً، يعيش الشعراوي خريف مسيرته الكروية. اللاعب الذي كان يوماً حديث أوروبا، يجلس حالياً كخيار بديل في صفوف نادي روما.
وعلى المستوى الدولي، تبدو الأرقام قاسية ولا تعكس الموهبة الانفجارية التي بدأ بها؛ فقد توقف رصيده عند 32 مباراة دولية سجل خلالها 7 أهداف.
القطيعة مع المنتخب باتت واضحة المعالم. كانت آخر مباراة دولية خاضها “الفرعون” في دور الـ16 من بطولة يورو 2024 تحت قيادة المدرب لوتشانو سباليتي (والتي انتهت بإقصاء إيطاليا).
ومنذ تولي جينارو جاتوزو الإدارة الفنية للمنتخب الإيطالي، تم استبعاد الشعراوي تماماً من الحسابات، لدرجة أنه لم يكن حتى ضمن القائمة الموسعة التي نافست في الملحق الأخير ضد البوسنة، ليُسدل الستار عملياً على مسيرة دولية بدأت بقرار جريء، وانتهت بحسرة غياب دائم عن أكبر مسرح كروي في العالم.
في النهاية، قد يكون قرار ستيفان الشعراوي بتمثيل إيطاليا منطقياً في عام 2011، لكن كرة القدم لا تعترف بالمنطق دائماً. ففي الوقت الذي سيستمع فيه المصريون ومحمد صلاح للنشيد الوطني في مونديال 2026، سيكتفي “الفرعون الإيطالي” بمشاهدة البطولة عبر شاشات التلفاز، متأملاً في مسيرة كان يمكن أن تُكتب بحروف من ذهب، لو اختار نداء جذوره.
