الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةخبير تقني: أداء الذكاء الاصطناعي يعتمد على موثوقية البيانات لا حجمه

خبير تقني: أداء الذكاء الاصطناعي يعتمد على موثوقية البيانات لا حجمه

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات يدور حول حجم البيانات المتاحة أو القدرة على جمع مزيد منها. فمع انتقال تطبيقات الذكاء الاصطناعي من التجارب المحدودة إلى الاستخدام التشغيلي اليومي، تبرز مسألة حساسة تتعلق بمدى الوثوق بالبيانات التي يعتمد عليها النظام. هذا التحول يجعل موثوقية البيانات، لا كثرتها، أحد الشروط الأساسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات مضطربة تتغير فيها الأنظمة والمصادر والعمليات بسرعة.

يقول غابرييل أوبينو، نائب الرئيس الإقليمي في منطقة جنوب أوروبا والشرق الأوسط لدى «دينودو»، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، إن المؤسسات بدأت تدرك أن أداء الذكاء الاصطناعي «يعتمد بدرجة أقل على كمية البيانات التي تملكها، وبدرجة أكبر على ما إذا كانت هذه البيانات موثوقة». والمقصود بالموثوقية هنا ليس توفر البيانات فقط، بل أن تكون دقيقة وحديثة وخاضعة للحوكمة ومفهومة ضمن سياق الأعمال، مع تعريفات واضحة ومسار معروف لمصدرها واستخدامها.

غابرييل أوبينو نائب الرئيس الإقليمي في منطقة جنوب أوروبا والشرق الأوسط لدى «دينودو»

هذه النقطة تعكس تغيراً في طريقة التعامل مع البيانات. فلفترة طويلة، اعتبر كثير من المؤسسات أن زيادة حجم البيانات تعني بالضرورة زيادة القدرة على التحليل والتنبؤ واتخاذ القرار. لكن الواقع التشغيلي أكثر تعقيداً. عندما تكون البيانات موزعة بين أنظمة وفرق متعددة، فإن إضافة مزيد من البيانات قد تزيد الضجيج والتكلفة والتضارب، بدلاً من تحسين القرار. لذلك ينتقل التركيز اليوم إلى جعل البيانات الموثوقة والمحكومة متاحة في الوقت المناسب عبر المؤسسة، بحيث تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على رؤية متسقة، لا على أجزاء منفصلة من الحقيقة.

لا تأتي كل اضطرابات البيانات من أزمات خارجية أو هجمات إلكترونية أو تعطل مفاجئ في البنية التحتية. في كثير من الحالات، تبدأ المشكلة من داخل بيئة البيانات نفسها. يوضح أوبينو أن الاضطرابات الشائعة غالباً ما تكون داخلية، وتشمل «مصادر بيانات مجزأة، وأنظمة منعزلة، وخطوط بيانات بطيئة تكافح لتقديم الرؤى في الوقت المناسب». وهذا يعني أن المؤسسة قد تملك البيانات المطلوبة، لكنها لا تستطيع الوصول إليها أو دمجها أو تفسيرها بالسرعة الكافية.

اعتماد الشركات التقليدي على فرق تقنية المعلومات لاسترجاع البيانات وتحويلها أنتج، في كثير من البيئات، اختناقات متكررة في مسار الوصول إلى البيانات. وتظهر آثار ذلك في فرص ضائعة، وعمليات أقل كفاءة، وحدود واضحة على قدرة الإدارة والفرق التشغيلية على اتخاذ قرارات دقيقة في الوقت المناسب. وتزداد هذه المشكلات عندما تكون البيانات بحاجة إلى النقل أو النسخ المتكرر بدلاً من الوصول إليها افتراضياً حيث توجد.

في هذا السياق، لا يكون الخطر في غياب البيانات فقط، بل في بطء وصولها أو عدم اتساقها. فقد تتخذ فرق مختلفة قراراتها بناء على نسخ متعددة من البيانات نفسها، أو على تعريفات مختلفة للمؤشر ذاته، أو على تقارير لم تعد تعكس الواقع الحالي. وعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه البيئة، فإنه لا يلغي هذه المشكلات تلقائياً، بل قد يسرع آثارها إذا استخدم بيانات غير مكتملة أو قديمة أو متضاربة.

تتضاعف حساسية موثوقية البيانات عندما تصبح القرارات مؤتمتة أو شبه مؤتمتة. فأنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تنتج توصيات بسرعة كبيرة، لكنها تظل مرتبطة بجودة المدخلات التي تحصل عليها. ويقول أوبينو إن «أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تكون أكثر موثوقية من البيانات التي تستهلكها». فإذا كانت هذه المدخلات قديمة أو ناقصة أو غير متسقة، فقد تكون المخرجات بعيدة عن الواقع، خصوصاً في حالات الاستخدام التشغيلية التي تعتمد على قرارات متكررة وسريعة.

المشكلة لا تقف عند توصية خاطئة أو قراءة غير دقيقة. فبمجرد أن يرى المستخدمون إجابات متضاربة أو نتائج لا تنسجم مع الواقع، تبدأ الثقة في النظام بالتراجع. ومع تراجع الثقة، تتعثر عملية التبني، ويتحول الذكاء الاصطناعي من أداة يفترض أن تزيد الكفاءة إلى نظام يُنظر إليه باعتباره غير متوقع. لذلك تصبح إدارة البيانات المنضبطة جزءاً من إدارة المخاطر، لا مجرد وظيفة تقنية داخل المؤسسة.

وتشمل هذه الإدارة ضوابط تتعلق بحداثة البيانات، وتعريفات متسقة للمؤشرات والمفاهيم، ووصولاً محكوماً يضمن أن يعمل الذكاء الاصطناعي على رؤية مستقرة وموثوقة. وتكتسب هذه المتطلبات أهمية أكبر في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الفورية أو التشغيلية، حيث لا يكفي تحليل بيانات تاريخية، بل يحتاج النظام إلى معلومات حيّة وسياقية تعكس ما يحدث فعلاً داخل المؤسسة.

البيانات المجزأة بين الأنظمة والفرق قد تزيد الضجيج والتكلفة والتضارب بدلاً من تحسين القرار (شاترستوك)

يفترض كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمنياً أن البيانات ستكون متاحة ونظيفة وحديثة عندما يحتاجها النظام. لكن هذا الافتراض يتعارض مع واقع المؤسسات الكبيرة، حيث تتوزع البيانات بين منصات سحابية وأنظمة داخلية وشركاء ومصادر خارجية، وتتغير باستمرار مع حركة الأعمال. لذلك يعدّ أوبينو أن بناء المرونة «هو في الأساس متطلب في بنية البيانات، وليس ميزة في الذكاء الاصطناعي».

هذا التمييز مهم لأن المؤسسة لا تستطيع معالجة ضعف البيانات بمجرد إضافة نموذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً. المطلوب هو بنية قادرة على مراقبة صحة البيانات، والتعامل مع الفجوات، وفرض الحوكمة، وتوفير بدائل محكومة عند تعطل بعض المصادر أو تأخرها. كثير من المؤسسات لا يزال في مرحلة مبكرة من بناء هذا الأساس، ولذلك تظهر مشكلات الموثوقية بوضوح عندما تنتقل مشاريع الذكاء الاصطناعي من التجارب إلى العمليات اليومية.

وتبدو البنى التقليدية التي تعتمد على المعالجة الدورية أو نسخ البيانات أكثر عرضة للضغط في البيئات السريعة التغير. فكلما زادت الحاجة إلى نقل البيانات أو تكرارها، ارتفعت احتمالات التأخير والتضارب وظهور نسخ متعددة من الحقيقة. أما في الاستخدامات التي تتطلب قرارات قريبة من الزمن الفعلي، فقد يتحول هذا التأخير إلى خطر تشغيلي مباشر.

تقوم بنية البيانات القادرة على تحمل الاضطراب على مجموعة من المبادئ العملية. يضع أوبينو في مقدمتها تقليل حركة البيانات ونسخها غير الضروري، لأن «كل نسخة إضافية تضيف زمناً وتكلفة ومخاطر عدم الاتساق». وهذا لا يعني إلغاء النسخ أو التخزين الاحتياطي حيث تكون الحاجة إليه مبررة، بل يعني تجنب نقل البيانات لمجرد أن الأنظمة القديمة اعتادت ذلك.

قد يهمك أيضًا: جولة محادثات لإنهاء الحرب في السودان تنطلق قريباً

المبدأ الثاني يرتبط بالحوكمة المتسقة. فلا يكفي أن تكون البيانات متاحة إذا لم تكن مفهومة بالطريقة نفسها في كل مكان. يجب أن تبقى تعريفات الكيانات والمؤشرات الأساسية مستقرة عبر الأنظمة، حتى لا تستخدم فرق مختلفة المفهوم ذاته بمعانٍ مختلفة. فعندما تتباين تعريفات العميل أو الطلب أو المخاطر أو مستوى الخدمة بين الإدارات، يصبح القرار الموحد صعباً، حتى لو كانت البيانات متاحة تقنياً.

هنا تبرز أهمية الطبقة المنطقية للبيانات، التي تسمح بالوصول إلى مصادر موزعة مع توفير دلالات موحدة وحوكمة مركزية. هذا النوع من البنى يساعد المؤسسة على التكيف مع تغير الأنظمة دون إعادة بناء كل شيء من البداية. كما يسمح للفرق بالعمل على بيانات موزعة، لكن ضمن فهم مشترك وسياسات موحدة، ما يقلل الحاجة إلى نسخ واسعة ومكلفة.

في البيئات غير المستقرة، تصبح سرعة الوصول إلى البيانات عنصراً أساسياً في استمرار العمليات. يصرح أوبينو بأن المؤسسات القادرة على الاستجابة في اليوم نفسه، «لا بعد أيام»، هي التي تستطيع مواكبة التغيير. وهذا يتطلب معلومات حديثة من مختلف الأنظمة من دون تأخير أو إجراءات معقدة.

لا تعني البيانات الفورية دائماً أن كل عملية يجب أن تحدث في اللحظة نفسها، لكنها تعني أن المؤسسة لا يمكنها الاعتماد على تقارير قديمة عندما تكون الظروف تتحرك بسرعة. في القطاعات التي تتغير فيها المخاطر والطلبات وسلاسل الإمداد أو الخدمات لحظة فلحظة، يصبح العمل بالبيانات القديمة شبيهاً باتخاذ قرار من خريطة لم تعد تعكس الطريق الحالي.

ويرتبط ذلك أيضاً بإتاحة الوصول إلى البيانات الموزعة في مكانها، بدلاً من إدخال تأخير إضافي عبر نقلها أو نسخها قبل استخدامها. وفي المؤسسات التي تعتمد على أنظمة هجينة ومتعددة السحابات، يصبح هذا الشرط أكثر أهمية، لأن الصورة الكاملة لا توجد غالباً في نظام واحد.

البيانات القديمة أو غير المتسقة قد تدفع أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج توصيات بعيدة عن الواقع (رويترز)

لا تعني مرونة البيانات أن كل نظام سيعمل دائماً بلا خلل. التعريف العملي، كما يطرحه أوبينو، هو أن تتمكن المؤسسة من «الحصول على الإجابات التي تحتاجها، حتى إذا توقفت بعض الأنظمة أو مصادر البيانات عن العمل». وهذا يشمل إتاحة معلومات موثوقة وحديثة لكل من البشر وأدوات الذكاء الاصطناعي، بحيث تستمر القرارات بثقة حتى تحت الضغط.

وتشمل المرونة أيضاً قدرة المؤسسة على تحسين بياناتها وتوسيعها بمرور الوقت، عبر إضافة مصادر جديدة أو تعديل احتياجات العمل من دون إحداث اضطراب في الاستخدام. وتحتاج هذه العملية إلى قواعد لا تنهار مع تغير الأنظمة، بل تنتقل مع البيانات وتحافظ على إدارتها بشكل صحيح أينما استُخدمت.

تبدو هذه المتطلبات أكثر إلحاحاً في قطاعات مثل البنوك والاتصالات والتصنيع وسلاسل الإمداد والخدمات الحكومية والمرافق والرعاية الصحية. فهذه القطاعات تعتمد على معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب لأغراض الامتثال وإدارة المخاطر واستمرارية الخدمة والسلامة التشغيلية. ويشير أوبينو إلى أن ما يزيد الهشاشة ليس حجم البيانات فقط، بل «تجزؤ المعلومات الحرجة بين الأنظمة الأساسية والمنصات السحابية والشركاء». عندما يصبح تجميع الصورة الكاملة بطيئاً أو غير متسق، تتراجع سرعة القرار في اللحظة التي تكون فيها المخاطر أعلى.

تتعامل القيادات التقنية مع هذه التحديات عبر إعادة تعريف ملكية البيانات وحوكمتها. الاتجاه المتزايد هو نحو نماذج اتحادية، حيث تمتلك فرق الأعمال أو المجالات بياناتها وتحسنها، بينما تحدد الحوكمة المشتركة معايير الأمن والجودة والامتثال. هذا يقلل الاختناقات المركزية من دون التخلي عن السيطرة.

وتتحول الحوكمة في هذا النموذج من بوابة لاحقة تعطل الوصول إلى طبقة مدمجة في طريقة تسليم البيانات واستهلاكها. بمعنى آخر، تنتقل السياسات مع البيانات حيثما استخدمت. وعندما يطبق هذا النموذج بشكل صحيح، فإنه يزيد السرعة والمساءلة في الوقت نفسه، لأن الفرق تصبح مسؤولة عن جودة بياناتها، بينما تبقى المؤسسة قادرة على فرض قواعد موحدة.

وتعتمد المؤسسات الأكثر استعداداً على إجراءات عملية قبل وقوع الاضطراب. وتشمل هذه الإجراءات خطوط بيانات مؤتمتة، ومراقبة مستمرة لصحة البيانات والوصول إليها، وكتالوجاً محكوماً أو طبقة دلالية تمنع الفرق من إعادة اختراع التعريفات تحت الضغط. كما تحدد بعض المؤسسات «منتجات بيانات» حرجة لاستمرارية العمل، وتصمم لها بدائل مثل التخزين المؤقت أو المصادر البديلة أو إجراءات التشغيل في وضع متدهور عند تعطل الأنظمة الرئيسية.

التوازن الصحيح، بحسب أوبينو، يأتي من تقليل التكرار غير المفيد، وإضافة الاحتياطية حيث يبرر الأثر التجاري ذلك. فالنسخ غير الضروري يزيد تكلفة التخزين وعبء الحوكمة، وقد يخلق نسخاً متضاربة من الحقيقة. لذلك يصبح النهج المنطقي، القائم على الوصول إلى البيانات حيث توجد مع تطبيق سياسات متسقة، وسيلة لتقليل التكرار من دون التضحية بالاستمرارية.

وفي المقابل، يمكن استخدام النسخ الانتقائي أو التخزين المؤقت للأعمال الحرجة التي تتطلب زمناً منخفضاً جداً أو توفراً عالياً. هنا لا تكون المرونة قراراً عاماً بتكرار كل شيء، بل تصميماً دقيقاً يميز بين ما يجب أن يكون متاحاً دائماً وما يمكن الوصول إليه بطرق أقل تكلفة.

مع توسع الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، يصبح التفوق مرتبطاً بقدرة المؤسسة على توفير بيانات موثوقة وحديثة ومحكومة على نطاق واسع. الشركات التي تستطيع تقديم سياق متسق عبر الأنظمة الموزعة ستكون أقدر على الانتقال من التجارب إلى الإنتاج، وعلى الأتمتة بثقة أكبر. أما المؤسسات التي لا تزال تعمل بتعريفات مجزأة، وحوكمة ضعيفة، ووصول بطيء إلى البيانات، فستواجه صعوبة في توسيع الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة وقابلة للتوقع.

مقالات ذات صلة
- اعلان -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات