منذ مطلع الألفية الجديدة، عاشت الكرة العراقية رحلة استثنائية، اختلطت فيها الإنجازات الكبرى بالتحديات القاسية، لتصبح نموذجًا فريدًا في المنطقة.
كرة قدم لم تتوقف رغم الحروب، ولم تختفِ رغم الأزمات السياسية والأمنية، بل ظلت حاضرة على الخريطة القارية، تقاتل من أجل البقاء والتفوق في آنٍ واحد.
على مدار أكثر من 25 عامًا، لم تكن الظروف المحيطة باللعبة في العراق طبيعية أو مستقرة، لكن الإصرار، والموهبة الفطرية، وروح التحدي، صنعت هوية خاصة لدى منتخب العراق والأندية العراقية، وجعلت من كل مشاركة خارجية إنجازًا بحد ذاته.
هذا التقرير يرصد مسيرة الكرة العراقية منذ عام 2000 وحتى اليوم، بين ما تحقق من نجاحات، وما تعثر من مشاريع، محاولًا الإجابة عن سؤال جوهري: هل تقدمت الكرة العراقية أم تراجعت؟
لم تكن كرة القدم في العراق بمعزل عن الواقع السياسي والأمني، حيث أثرت فترات عدم الاستقرار بشكل مباشر على البنية التحتية، وتوقف الدوري، وهجرة اللاعبين، وصعوبة استضافة المباريات الدولية.
ورغم ذلك، حافظ العراق على حضوره القاري، متنقلًا بين الملاعب المحايدة، ومشاركًا في البطولات الآسيوية والدولية بإمكانات محدودة، لكن بعزيمة كبيرة.
حقق منتخب العراق الأول 16 بطولة في مسيرته عبر التاريخ، حيث توج بكأس الخليج العربي لـ 4 مرات، كما حقق بطولة كأس العرب لـ 4 مرات وحقق دورة الألعاب الآسيوية ثم حقق دورة الألعاب العربية وكأس اتحاد غرب آسيا وفي 2005 حقق دورة العاب غرب آسيا ثم الإنجاز الأبرز بتحقيق كأس آسيا في 2007 تلاه بطولة الإمارات الرباعية الدولية الودية في 2009 وبطولة الصداقة الودية في 2019.
وحصد المنتخب العراقي المركز الرابع في أولمبياد أثينا 2004، وهو إنجاز تاريخي وضع العراق بين كبار العالم.
كما لديه حضور متكرر ومنافس في تصفيات كأس العالم منذ 2002 وحتى 2026 حيث تأهل أسود الرافدين مؤخرًا إلى الملحق العالمي المؤهل إلى مونديال أمريكا وكندا والمكسيك.
شهد أداء المنتخب العراقي تطورًا متباينًا عبر الأجيال، من كرة تعتمد على القوة والروح القتالية، إلى محاولات للعب المنظم وبناء اللعب لكن عدم استقرار الأجهزة الفنية ظل عاملًا مؤثرًا، حيث تعاقب المدربون بسرعة، ما انعكس على هوية الفريق.
يظل جيل 2007 بقيادة المهاجم القناص يونس محمود والذي حصد لقب كأس آسيا هو العلامة الفارقة، من حيث الانسجام، والقيادة، والاستقرار، مقارنة بالأجيال اللاحقة التي امتلكت الموهبة لكنها افتقدت الاستمرارية.
لكن ظهر مؤخرًا جيل جديد للكرة العراقية نجح في إظهار قوته خلال مسابقات مجمعة مثل كأس العرب بالإضافة إلى كأس الخليج وكأس آسيا وتصفيات كأس العالم والذي تأهل من خلالها إلى الملحق العالمي.
نوصي بقراءة: الاتحاد يتقدم بعرض رسمي لضم هدف النصر السابق
على مستوى الأندية، حقق العراق تتويجات قارية مهمة، وبرزت أسماء في المنافسات الآسيوية، رغم توقف الدوري لفترات طويلة، وضعف الموارد المالية، وعدم انتظام المسابقات المحلية.
الأندية العراقية حققت إنجازات لافتة، أبرزها سيطرة نادي القوة الجوية على كأس الاتحاد الآسيوي بثلاثة ألقاب متتالية 2016, 2017, 2018، بالإضافة إلى مشاركات قوية لأندية مثل الزوراء، الشرطة، وزاخو في بطولات دوري أبطال آسيا وكأس الخليج، مما يعكس تطور الكرة العراقية ويزيد ثقة آسيا بقدرات أنديتها.
كما توج فريق دهوك العراقي مؤخرًا عام 2025 بلقب كأس الخليج للأندية لكرة القدم بعد فوزه على ملعبه في إياب النهائي على القادسية الكويتي بهدفين مقابل هدف.
شهدت الألفية تطورًا في تصدير اللاعبين للاحتراف الخارجي، مع تغيّر نظرة الأندية العربية والآسيوية للاعب العراقي.
وكان أبرز المحترفين؛ يونس محمود الذي تواجد في الدوري القطري عبر أندية الخور والغرافة والعربي بالإضافة إلى الوكرة والسد قبل أن ينتقل إلى الأهلي السعودي.
كما يعد نشأت أكرم من أبرز المحترفين في تاريخ الكرة العراقية حيث لعب رفقة الشباب والنصر السعودي ثم العين الإماراتي والغرافة القطري قبل أن ينتقل إلى نادي تفينتي الهولندي في تجربة قصيرة لمدة موسم.
وفي الجيل الحالي، يعتبر علي عدنان مدافع المنتخب العراقي هو الأبرز في الاحتراف الخارجي حيث لعب في صفوف تشايكور ريزه سبور التركي وأودينيزي الإيطالي ثم فانكوفر وايتكابس وحاليا في النجمة السعودي.
كما يتواجد حاليًا علي جاسم نجم المنتخب العراقي الذي انتقل إلى نادي النجمة السعودي على سبيل الإعارة من ناديه كومو الإيطالي.
ويضم المنتخب العراقي في صفوفه مجموعة مميزة من المحترفين في الخارج، من بينهم حسين علي لاعب بوجون التشيكي، فرانس بطرس لاعب بيرسيب الإندونيسي، ريبين سولاقا لاعب تاي بورت التايلاندي، بشار رسن لاعب باختاكور الأوزبكي، إبراهيم بايش لاعب الرياض السعودي، مهند علي لاعب دبا الفجيرة الإماراتي بالإضافة إلى علي الحمادي مهاجم لوتون تاون الإنجليزي.
دار جدل دائم بين الاعتماد على المدرب المحلي أو الأجنبي، مع بروز أسماء تركت بصمتها مع المنتخبات العراقية، مثل؛ عدنان حمد وباسم قاسم وراضي شنيشل.
بينما كان جورفان فييرا صانع إنجاز 2007 والذي حقق لقب كأس آسيا هو المدرب الأجنبي الأبرز، بالإضافة إلى كاساس والذي توج مع المنتخب العراقي ببطولتي كأس الخليج العربي 25 التي أقيمت في البصرة عام 2023 وكأس ملك تايلاند 2023.
بعد 25 عامًا من التحدي، يمكن القول إن الكرة العراقية لم تتراجع بالكامل، لكنها لم تتقدم بالقدر المأمول وهي كرة قدم صامدة، موهوبة، لكنها بحاجة إلى إدارة مستقرة، ورؤية واضحة، واستثمار حقيقي في القاعدة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون الفترة القادمة بداية لنهضة جديدة بقيادة المدرب الأسترالي جراهام أرنولد وتأهل إلى كأس العالم أم استمرارًا لدائرة الصمود دون قفزة حقيقية؟
